رواية تلك الأيام – الحلقة الرابعة عشر

azizama3iriwaya

الحلقة_14_
.اختفى كل شيئ أمامه، ولم يعد يرى سوى صورة ابنة يعقوب بكل ما تملك من فتنة وبهاء.سمع نفسه يتمتم :ياالله كم هي جميلة .نعم لقد سبق له أن سمع عن جمال اليهود ،حدثه بذلك الفقيه بن الصديق ، قال له وهو يقرأ سورة يوسف : لقد منح الله هذا النبي شطر الحسن ،ووهب الناس جميعا شطره الآخر ، اليهود يابني منحهم الله ثلاث هبات : العلم ،الحسن والمال .
يذكر محمد أنه قال مجيبا الفقيه:
_طبعا ألم يفضلهم على الناس قاطبة .
رد الفقيه :
_ربما ، لكن قضت مشيئته أن يمنحهم العلم والمال والجمال ،لكنه استثناهم من امتلاك الوطن .
_ الوطن ؟
_نعم كتب هذا في التلمود
_وما هو التلمود ؟
_صحف النبي موسى التي تلقاها من ربه .
تذكر محمد كلام الفقيه ، ولم يخطر بباله أنه سيصادف يوما ما فتاة يهودية بمثل هذا الحسن والجمال.نعم لم يسبق لمحمد أن دنا من فتاةمن فتيات الفرنسيين عموما. كان يراهم كباقي سكان القرية من بعيد ،الفرنسيون كانوا لايسمحون للسكان بالاقتراب من نسائهم. لا يجرؤ أحد على مخالطتهم أو محادثتهن .من يحاول ذلك يلقى عقابا من لدن القائد قبل أن يؤدبه الفرنسيون .
حين رآه بّا هشوم لا حظ ما اعتراه من تغيير. سأله :
_مابك يا ولدي ..؟
_لا شيئ..لا شيئ
_ هل وجدت يعقوب ؟
كاد يقول،ليتني لم أجده لكنه كتم مشاعره وقال :
_نعم ..نعم
_أين السكر ؟
نبر محمد :
_غدا ..غدا سيكون ما طلبته حاضرا
_جميل
صفن بّا هشوم قليلا ثم قال:
_ هل أن أنت متأكد بأنك بخير ؟
_ نعم لماذا تسألني هذا السؤال ؟
_أرى شحوبا في وجهك …
نبر محمد:
_أنا..أنا..
ابتسم بّا هشوم وقال :
_وهل أنا أخاطب أحدا غيرك ..هل تشعر بوعكة ؟
_أبدا ..أبدا..أنا بخير.
_الحمد لله إ..أقلقتني عليك .
قضى محمد سحابة يومه شارد الفكر، لا يرى ولا يفكر سوى في الفتاة .ابتسامتها الفاتنة ، شعرها الذهبي لباسها صدرها الناهد وجلستها الأنيقة .حاول أن يلتفت لشغله لعله يسلوها ولو إلى حين .لكن الصورةالجميلة،الصورة البهية ،كانت تصر على المثول أمامه رافضة وبإصرار أن تتحول إلى أشلاءفي سديم العدم .
انتبه بّا هشوم إلى التغيير الذي طرأعلى محمد ،لكنه قدر أن الفتى لا شك حزين من أجل أبيه الذي زج به في السجن .محمد محق في حزنه.ماحدث لميمون كان ظلما .اتضح اللآن بجلاء مخطط القائد .أغلب السكان أصبحوا يتحدثون سراعن المقلب الذي أعده القائد ليؤدب ميمون بسبب الفدان الذي رفض التنازل عنه .السكان يروون كيف بعث القائد الوحش كي يقوم بعملية التأديب.هل كان يريد حقا أن يغتال ميمون أم أنه أرادفقط أن يلقي في قلبه الرعب حتى يرضخ لطلبه ، لاأحد يعلم .لكن الأكيد هو أن الصخرة الضخمة التي أودت بحياةالشيخ كانت موجهةإليه شخصيا. و قد كان بالإمكان أن يكون الآن محل ذلك الشيخ المسكين ، الذي كان دنبه الوحيد أنه تواجد في المكان والزمان الغير مناسبين .لكن مشيئة الله قررت أن يسلم هو ليلقى الشيخ علي حتفه .
أشفقق بّا هشوم على محمد ،تمنى لو كان بإمكانه تقديم المساعدة لميمون .لكن العين بصيرة واليد قصيرة كما يقال، والقائد حين يضع شخصا في دماغه ، لايتركه حتى يقضي عليه ،أو يأتيه المعني بالأمر صاغرا مستسلما .
لم يخطر ببال بّا هشوم أن شرود فكر محمد وسهومه، له دواع أخرى غير التي خطرت بباله .كيف له أن يفكر ولولدقيقة واحدة أن الفتى أصيب بداءالعشق الوبيل .وحتى لو اكتشف ذلك ،فهل كان سيفكر للحظة واحدة أن الفتاة التي علقها قلب الفتى هي سارة ابنةيعقوب.من المستحيل أن يفكر بّا هشوم في هكذا احتمال . .أبناءالقرية يعشقون بنات القرية في السر هذا مباح إلى حد ما . أما في العلن فلا وجود لمثل هذا التصابي . في عرف القبيلة، الفتى لا يتعرف على الفتاة التي ستصبح زوجته إلا ليلة الدخلة .عندما يحين وقت تزويج أي شاب من شباب القرية ،يتكلف الأب و الأم باختيار العروس .ما يهم الأهل هو العائلة لاالفتاة، الحسب والنسب أهم من جمال سرعان ما يزول .يتفق الأهل فيما بينهم ، بعد ذلك يتم اخبار الابن بالعائلة التي سيتزوج منهاوالفتاة التي سيرتبط بها .لايرى الشخص المقبل على الزواج خطيبته مطلقالا .عليه أن ينتظر،كما أسلفنا ، ليلة الدخلة.فإذا آن الأوان وزفت إليه العروس رآها،فإذا هي أعجبته فذاك ،وإن هي لم تعجبه فلا حق له في رفضها وتطليقها.التقاليد تفرض عليه أن يتكيف مع فكرةالعيش مع زوجته طوال حياته ،اللهم إذا رأت أمه عكس ذلك عندهايحق له تطليقها.أمر الوالدة مطاع وقد ينهي قرارها علاقة زوجية موفقة .لعنة مسخوط الوالدين ، وخاصة الأم ،لا أحد يرضى بها .وهكذا تصبح أنثى القبيلة التي كانت لاشيئا يذكر بين ظهراني عشيرتهاامرأة قوية .سلطتها التي تستعيدها من خلال أمومتها لا تتأتى لها إلا حين تتقدم في السن وتصبح أما لشباب مقبلين على الزواج .
الحب الوحيد المسموح به في القرية ،هو ذلك الحب الذي يتم تحت جنح الظلام ، والذي كان الرجال المتزوجون هم أبطاله بامتياز.مثل هذه العلاقات الآثمة لم يكن أصحابها يتورعون عن الافتخار بهاسرا فيما بينهم ، كما يتفاخرون بعمليات السطو التي يقومون بهاخارج البلدة .الرجولة في عرف القرية تقتضي أن يكون الرجل فحلا ولصا شجاعا لا يهاب الغامرة مهما كانت درجة خطورتها .اتخاد خليلةمن قبل رجل متزوج مسموح به اجتماعيا .فإذاكانت الخليلةامراة مطلقة أوأرملة فذلك هوالمبتغى .أما إذاكانت متزوجة فلابأس، بل إن المغامرة تصبح بنكهة أكثر لذة وجاذبية .
لم يكن الرجال هم وحدهم من كانوا يفتخرون بمغامراتهم العاطفية ،بل حتى النساءكن بدورهن وحين يجالسن من يثقن فيهن من النساء ،يلمحن إلى مثل هذه العلاقات التي تربط فلانة بفلان،وقد ينتقلن من التلميح إلى التصريح إذا ما أيقن أن لاخطر في ذلك .نميمة المرأة وبوحها بمثل هذه الأسرار،ما هما إلا رغبة دفينة في التبجح بؤنوثة مازالت تفتن الرجال،كما أنهاتمثل رغبة خفية في الانتقام من زوج لايعرف كيف يسيطر على قلب وجسد زوجته .غيرأن اللصوصية والدعارةوكل الموبقات الاجتماعية الأخرى ، لم تكن في الحقيقة سوى احتجاجا اجتماعيا لاواعيا من قبل الساكنة ضد القهروالاستبداد الذي يرزحون تحت نيره .
هكذا كانت تسير الأمور في القرية وضواحيها.ومنذ مجيئ الفرنسيين واحتلالهم لمنطقة بني وراين لم يحدث أن فكر أي ورايني حتى مجرد تفكير في امرأة فرنسية .كان جدارا من الرهبة والخوف يفصل بين عالمين متجاوريين جغرافيا ،لكنهما متباعدان اجتماعيا بعد السماء عن الأرض .لهذا السبب لم يكن بإمكان أن يخطر ببال بّاهشوم أن محمد قد علق ابنة صديقه يعقوب .
حين غادر آخر زبون ،وبعد أن أغلق بّاهشوم المقهى .خاطب محمدا قائلا :
_إذا كنت تشعر بالتعب يمكنك أن تأخد رخصة لتستريح .
نبر محمد :
_لا ..لا ..أنابخير ..بخير
_ إذن إلى الغد بحول الله.
افترقا، ذهب كل واحد منهما في طريقه .تنفس محمد الصعداء خشي أن يجبره بّا هشوم على العطلة ،هو الذي كان ينتظر الغد بفارغ الصبر لعل الحظ يكون إلى جانبه فيحظى برؤية تلك الصبية الجميلة مرة أخرى.راهن محمد على الغد قال في نفسه إذا وجدتها في متجر أبيها ،فربما كان ذلك مؤشرا إجابيا يمكن أخذه بعين الاعتبار لصالحي .أما إذا تخلفت عن الحضور وهي تعلم أنني لا شك قادم لأخذ السكر ،فهذا يعني أن قلبي تعلق بالسراب وأنه رام ما لايستطاع .تذكر ابتسامتها الخفية الساحرة ، ونظراتها الضاحكة وهي تقرأ إعجابه الواضح بها .عاوده الأمل ،لكن سؤالا خازوقيا آلم ذهنه ،سمع صدى صوت تفكيره يقول، و لنفرض أنك وجدتها في دكان أبيها فما الذي يجزم أنها جاءت من أجلك ،إنها معتادة على ما يبدو على زيارة أبيه في متجره ،وقد يحدث هذا في الغد مما يعني أن حضورها ،لا يمكن أن تستنتج منه أي شيئ قد يفيدك . مسكين أنت يا محمد لمثلك قال المثل أول ما شطح نطح .كيف تعلق فتاة لا هي من ثوبك ولا أنت من ثوبها، أليس هذا هو الجنون بعينه ؟ حاول طرد هذه الأفكار السلبية عن ذهنه ،قال حاسما الأمر غدا سنرى ،إذا جاءت ،سأحاول سبر سريرتها ،إذالمست منها التشجيع أقدمت أكثر ، وإذا صدتني أحجمت ،وحملت قلبي الدامي فوق كفي ، لعلي مع الوقت أتمكن من أجعل جراحه تندمل .حاول الكف عن التفكير ، فجأة سمع صوته يقول :
_ وهل حقا بإمكاني سلوان هذا الملاك الذي لاشك أنه نزل من السماء ، ليحول حياتي إلى جحيم ..لا أدري .
تلك الليلة حاول محمد أن ينام ،لكن أبى الكرى أن يزور جفونه .كلما حاول الاستسلام للنوم يأتيه طيفها ينتصب أمامه بكل قوة الفتنة والسحر التي يمتلكهما.يستعيد لحظة رؤيتها بكل تفاصيلها الجميلة .يتخيلها وهي جالسة كأميرة على كرسي خيزراني إلى منضدة أبيها .شعرها الأشقرالمنسدل على كتفيها كشلال من نضار الذهب .لون بشرتها الصافي .عيناها الواسعتان بلون السماء .خداها الأسيلين اللذان صبغتهما الطبيعة بلو ن الجلنار.فمها الكرزي الشهي الذي يكشف حين تبتسم ،عن أسنان بيض كفص من اللؤلؤ النضيض .أما صدرها الناهد فقد هد آخر أسلحة المقاومة لديه .
بات محمد يتقلب على فراش الأرق ، إلى أن اندحرت أشباح الغسق كظلال هاربة أمام ضياء يوم جديد .في الصباح غادر البيت من دون أن يتناول وجبةالفطور .حاولت أمه أن تجبره على وضع لقمة في فمه لكنه أبى .لا يدري كيف وصل إلى مقر عمله .وجد باب المقهى مقفلا ،كانت هذه المرة الأولى التي يسبق فيها بّاهشوم إلى المقهى .جلس يتأمل استيقاظ هذا الجزء من القرية من سبات الليلة الماضية .طفقت الحركة تذب فيه بقدوم التجار اليهود إلى متاجرهم .انتهى الى سمعه ثغاء قطعان الغنم وهي تتجه رفقة الرعاة إلى البراري لتبحث عما قسم لها هذا اليوم من عشب لذيذ . رجال من هنا وهناك ، خرجوا نحو الحقول، منفردين أو رفقة دوابهم .عودة الحياة إلى الحياة في هذا الصبح المنعش ،غمر قلب محمد بإحساس جميل ،جعله يدرك كم يحب هذه القرية الرائعة .لم ينتبه إلى با هشوم وهو يهل عليه ،قال وهو يبتسم :
_أهلا محمد ..أصبحت تسبقني إلى مقر العمل .
رد محمد والابتسامة على شفتيه :
_طبعا ..المتعلم تربية المعلم .
قال ّبا هشوم وهويفتح باب المقهى :
_هذا جيد ..لكن مع ذلك أقلقتني ..
_معذرةبّا هشوم
_ خشيت أن يكون قد استجد …
قاطعه محمد :
_لا .. لم يستجد شيئ
_ الحمد لله .. هيا تعالى
قبل حلول الموعد الذي حدده يعقوب ،والذي كان محمد ينتظره بفارغ الصبر .سمع ّبا هشوم يقول :
_لاتنس السكر يامحمد
قفز قلب محمد في صدره ،أجاب :
_حاضر بّا هشوم .
انتظر محمد الموعد بفارغ الصبر ، كان الوقت يمر بطيئا كأنه تحول إلى سلحفاة ضخمة تعجز عن الحركة . الوقت الذي يأكل حياتنا بنهم وشراهة فائقة حين لا نأبه له ،يشعر بالتخمة ويتوقف عن القضم كسنجاب شاخ وسقطت أسنانه حين نريده أن يلتهم الوقت الذي يفصلنا عن حدث نتوقع أن يكون سعيدا . شعر محمد أنه لم يعديقوى على الانتظار . وضع ما كان في يديه واتجه رأسا الى دكان السيد يعقوب .في الطريق طفق وجيب قلبه يخفق بقوة ، أسئلة كثيرة طفقت تنهال على دماغه كخوازيق مؤلمة .تساءل :ترى هلى سيجد محبوبته في المتجر؟ .أم أنهاالآن في بيتها غير آبهة به ، بل أنها لا تذكرحتى مجرد الذكرى أنها رأت فتى خجولا يقف بباب الدكان وقد بهره ما رأى من جمالها الفاتن . .ولنفرض جدلا أن الفتاة موجود ةحيث تركها بالأمس ،فإن هذا ربما، بل حتما لايعني لها أي شيئ .لا شك أن الفتاة إعتادت مرافقة والدها ،ولا علاقة لحضورها أوغيابها به .لكن الأمل يعاوده فيقول ومن يدري لعل الفتاة استلطفتني وهي الآن تنتظر قدومي .أفكار متناقضة كانت تتصارع بدواخله، تنهشه من الداخل كما ينهش وحش الغابة أحشاء فريسته.شاشة دماغه أضحت كسماء فصل الخريف ما تكاد الشمس تظهر فيها حتى تختفي وراء سجوف السحب الداكنة .بقي محمد يتأرجح بين اليأس والأمل كما يتأرجح قارب صغير على ظهر أمواج عاتية في بحرواسع لجي،إلى أن وجد نفسه أمام الدكان .رأى عددا من الزبائن لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة واقفين للتبضع .استبشرخيرا بذلك .تواجد هؤلاءالقوم عند باب المتجر،سيمنحه فرصة التأكد من وجود أوغياب حبيبته ،دون أن ينتبه إليه اليهودي .دنا منهم بخطى وئيدة ،وجيب قلبه أصبح لا يطاق ،إلى درجة أنه التفت يمينا ويسارا خشية أن يسمع أحد الرجال نبض قلبه .
أطل برأسه خلف رؤوس المعممة ،ليتأكد ما إذا كانت الفتاة حيث تركها بالأمس .شعر بدفق من الفرحة يغمر كيانه وهو يراها في نفس المكان ،على نفس الكرسي ،وبنفس الأبهة . كأنها لم تبارح مكانها قط .ولولا أنها كانت ترتدي ثوبا مختلفا عن ذلك الذي كانت تلبسه بالأمس ، لظن أن الأمس لم يمض قط وأنه ما زال يعيش متعة الدهشة الأولى .
وكأن الفتاة شعرت بوجوده .رفعت رأسها الجميل انسدل شلال شعرها الذهبي إلى الخلف .نظرت إليه نظر إليها ،وفي مدارات الصمت الصاخب تحدثت لغة العيون حديثا يعجز اللسان عن الافصاح عنه . .إبتسامة سارة كانت كبساط أخضرمنمق بالورود .أو ضياء الجوزاء وهي تهل من خلف الأفق البعيد .
عيناها الزرقاوان الساحرتان ،قرأ فيهما ،أو هكذا تخيل له ، جملة لم يصدقها : كنت في انتظارك ،رقص قلبه بجناحي الفرح كطائر رفرفربعيدا عن عشه .غمرته سعادةجارفة، لكن سرعان ماهبت الوساوس تنغص عليه لذة الاستمتاع با ستنتاجه .تساءل في قلق هل ماقرأه صحيح أم أنها مجرد أوهام عاشق ،قلبه مستعد للتعلق بأية قشة أمل مهما كانت هشة .نعم لعله واهم لاشك في ذلك ،لأنه من المستحيل أن تشاطره ، هذه الصبية الفرنسية الجميلة نفس الأحاسيس الوردية التي يجدها في نفسه اتجاهها . لاشك أنه واهم ،والعشاق موسومون بالظن ،يصدقون ما يتوهمون .وهم في كل واد يهيمون.
_ماذا تريد ياولد ؟
انتبه محمدإلى نفسه وهويسمع صوت السيد يعقوب يحدثه .انتبه محمد إلى أنه يقف لوحده في باب الدكان ، شرود ذهنه منعه من رؤية الزبائن وهم يغادرون .
وقبل أن يحرك شفتهيه كي يجيب ، سمع الفتاة تخاطب أباها ،وقد ارتسمت على شفتيها تلك الابتسامة الفاتنة التي انطبعت صورتها في قلبه ومخيلته إلى الأبد:
_إنه الفتى الذي أرسله بّاهشوم بالأمس بحثا عن السكر يا أبي، هل نسيت ؟
ضرب الرجل على جبهته وهو يقول :
_عفوا بني لقد نسيت
تمنى محمد لو كان بامكانه أن يقول له، لاتعتذريا سيد يعقوب ، لا تعتذر. أنا من يتوجب عليه أن يشكرك على هذا النسيان .صدقني أول مرة أشعر با متنان نحو شخص ينساني بهذه السرعة .بفضل نسيانك سيدي ،تكلمت ابنتك لتذكرك بي .هذا يعني أنها لازالت تتذكرني .ابنتك لم تنسني أيها السيد و هذا أقصى ما كنت أتمناه .
سأله يعقوب :
_هل حدد لك الكمية التي يريد أم كالعادة.؟
نبر محمد :
_ك..كالعادة
_انتظر..
فتح يعقوب بابا في أقصى المتجر ،اختفى عن الأنظار .بقي وحيدا مع محبوبته .شعر بالارتباك .كل حركةمن حركاته كانت تبدوله غير طبيعية . لم يدر كيف يتصرف .شعر بحلقه يجف .أراد أن ينبس بشيء مهما كانت تفاهته لكن الكلام استعصى عليه .كانت تبتسم وهي ترمقه من طرف خفي كأنها تستمتع بالاضطراب الذي يعتمل بدواخله .
فجأة سألته باللهجة الأمازيغية تتخللها لكنة حلوة :
_ماهو اسمك ؟
فوجئ محمد ،لم يكن يعتقد بأنها تجيد اللغة المحلية .
_ م..حمد
_ أنا اسمي سارة
_ سارة
ضحكت
سألها :
_ لماذا.. تضحكين ؟
_الحقيقةأول مرةأسمع اسمي ينطق بهذه الطريقة .
_الحقيقة أول مرةأسمع اسمي ينطق بهذه الطريقة .
صمت لم يجب .تساءل كيف نطق اسمها ،وماذا تعني بهذه الملاحظة .وجيب قلبه تسارع ،شعر بنفسه عاريا أمامها .والمرء لا يكون عريا كما ولدته أمه إلا في لحظة العشق الرهيبة .لأول مرة يستحي من عاطفته . أدرك أنها تقرِأ أفكاره كما تقرأ كتابا مفتوحا . لقد اكتشفت الفتاة أمره ،المرأةتحدس بسرعة متى يعلق بحبها الرجل .لعله يبدو لها أكثر مسخرة مما يجب .الكتمان ومحاولة السيطرةعلى الذات لا تجدي .قد تتظاهر المرأة بالغباء وعدم الانتباه لكنهافي حقيقة الأمر تدرك كل شيئ وتستمتع ولو في لا شعورها ، بتحول الرجل إلى خرقة مائعة يمكن العبث بها كما تشاء .
ولكي تخرجه من صمته الأهبل قالت :
_هل تربطك علاقة قرابة ببّا هشوم ،أم أنك مجرد عامل لديه .
_بّا ..هشوم ..زوج ..خالتي.
هتفت الفتاة
C est pas v r ai_
نظر إليها محمد ، لم يفهم ما نطقت به ، قالت الفتاة وهي تقرأ الدهشة في مقلتيه :
_عفواقصدت أن هذا غير صحيح
_ لماذا … ؟
_لأنني كثيرا ما أزور زوجة بّاهشوم . ولم يسبق لها أن أخبرتني أن لها ابن أخت .
قبل أن يعلق محمد على ملاحظتها رأى أباها يخرج حاملا كيسا من الكارتون متوسط الحجم قدمه لمحمد وهو يقول :
_تفضل ..
حمل محمد السكر ، وقبل أن يغادر سمع اليهودي يقول :
_لا تنس أن تبلغ التحية للسيد هشوم .
_حاضرسيدي ..
رمق الفتاة وهو يلقي بالتحية ،كان يريد أن يتزود منها بنظرة،النظرة الأخيرة مهمة للعشاق ، عليها يبني المحب أحلام يقظته حين يسترجع شريط ذكرى محبوبته .إبتسمت كأنها تقول إلى اللقاء .

————-

كاتب الرواية عزيز أمعي

كاتب الرواية عزيز أمعي