رواية تلك الأيام – الحلقة الثالثة عشر

azizama3iriwaya

انتابها إحساس مقيت مشوب بغيرة لم تفهم لها سببا .كتمت هذا الشعورالمخجل.شكرت الفقيه هي وأختها ثم استأدنتا منه ومن زوجته بعدما أعطتها ما حملته معها في سلتها الصغيرة.
في طريق العودة ، سألت مريم أختها :
_ أختي
_نعم
_في نظرك من تكون هذه المرأة التي رآها الفقيه في الخط .
ابتسمت السعدية وقالت :
_هل تشعرين بالغيرة؟
حاولت أن تداري حقيقة مشاعرها عن أختها قائلة :
_ لا..أبدا ..أبدا
قالت السعدية وهي تعيد شد رداءها :
_صدق الذي قال :
_اللي بغا الهم ينالو يمشي عند الفقيه يسالو .
_لا هم ولا غم المهم أن يفك أسر أبو ابني والسلام ،وأن يطيل الله عمر ابني .
_سيطلق سراح زوجك بإذن الله،وتحقق كل أمنياتك، كوني متفائلة.
وكأنها تذكرت أمرا كانت على وشك أن تنساه .فقالت :
_على ذكر ابنك أوصاني هشوم أن أقترح عليه أن يساعده في المقهى .
قالت مريم وهي تنظر إلى أختها بحنان :
_كثر الله خيرك وخيره حبيبتي ..سأخبره بذلك لاشك أنه سيسعد بالعمل مع هشوم فهو يحبه كثيرا .
قالت السعدية :
_هشوم أيضا يعتبره مثل ابنه.

اقتنع محمد بفكرة خالته السعدية .إحساسه بالمسؤولية تجاه أمه خلال غياب أبيه جعله يوافق فورا على الاقتراح .نعم هو لم يتجاوز ربيعه السادس عشرة سوى بشهور قليلة .لكن مثل هذا السن تعتبر في قريته ،سن تحمل المسؤولية وكثير ممن هم في مثل سنه يتزوجون من فتيات أقل منهم سنا، يخلفون ويتحملون مسؤلية عوائلهم .العمل المبكر والزواج المبكر كان السمة الطاغية لدى قبائل بني وراين لم يكن للطفولة وحقوقهاأي معنى في قاموسهم الاجتماعي .الرجال يتزوجون في سن مبكرة ،هدفهم الانجاب المبكر.الأطفال هم رأس مال القبيلة ،وسند الأباء في خريف العمر .قبل أن يتجاوز الطفل عقده الأول يبدأاستغلاله في السقي والرعي وكل الأعمال الممكنة .حين يشتد عوده ، يكلف برعي قطيع الغنم إن كان أبوه من الميسورين .وإن كان أهله من فئة المعوزين، فإن الوالد يستأجرفلذة كبده لأثرياء أصحاب القطعان الكبيرة لحول كامل أو أكثر ،مقابل عدد من رؤوس الغنم يعود بها عند انتهاء مدة رعيه .
محمد كان محظوظا لأنه كان وحيد والديه وممن تمكنوا من حفظ القرآن ،مما جنبه ألم فراق أهله من أجل الرعي لدى الأغراب .كان أبوه يتطلع لليوم الذي يصبح فيه ابنه ، إمام مسجد في أحد المداشر .لم يكن الأب يهتم بالمال ، فالكل يعلم أن دخل أهل الذكر ضئيل . لكن السمعة الطيبة ،والافتخار بالابن الحافظ للقفرآن الكريم كان أقصى ما يتمناه كل أب . أضف إلى كل هذا أن إمام المسجد كان خطا أحمرلا تطاله سلطة القواد بأمر من الفرنسيين .الفقيه مصان الجانب ،كالمسجد تماما . منذ غزو المعمرين للبلدة أعطيت الأوامر في هذا الاتجاه ،والقواد التزموا مرغمين بها .
كان المقهى فارغا ذلك الصباح ،حين طرق محمد الباب .جاءه صوت با هشوم من الداخل يقول :
_لحظة من فضلك .
ابتسم محمد وهو يسمع صوت ّبا هشام الجهوري .لعله حسبه أول زبون جاء يستمتع بما يعد من مشروبات لذيذة،أو باحثا عن النشوق التي أصبح ّباهشوم الوحيد الذي يبيعهافي القرية .جلس على كرسي وطفق يتأمل المقهى .كانت مؤلفة من قاعة واسعة ،تنتشر على أرضها المبلطة بالاسمنت ،مجموعة من الطاولات الخشبية بأحجام مختلفة .كل منضدة يحيط بها عدد من الكراسي .في أقصى الغرفة حائط لايتجاوز إرتفاعه ستة أقدام وطوله مترين .فوق الحائط رتبت مجموعة من الأواني التي يحتاجها بّا هشوم في عمله .خلف الحائط باب صغيرة تفتح على غرفة صغيرة لم يتمكن محمد من رؤية محتواها ..
فوجئ ّبا هشوم وهو يطل من باب الغرفة الصغيرة برؤية محمد .هتف وهو يراه :
_ محمد ..مرحبا ،لم أتوقع مجيئك مبكرا .
دنا منه ضمه إليه وهو يقول :
_كيف حالك يا ولدي وكيف حال أمك.
_ الحمد لله على كل حال .
همس ّبا هشوم قائلا :
_ شدة وتزول يابني .أناجد فخوربأبيك وبما فعل ،ومتأكد من أنه سيخرج من السجن بإذن الله.
_صحيح با هشوم ..تعتقد ذلك ؟
_اسمع يابني أنت فقيه وتحفظ القرآن أليس كذلك .
_بلى ياعم
_إذن اسمع ،أنا لاأحفظه مثلك ، لكن أعرف من الفقيه بن الصديق الذي حدثنا في إحدى المناسبات عن نبيين هما يوسف ويونس. الأول زجت به امرأة العزيزظلما في السجن وأخرجه الله منه ،والثاني ابتلعه الحوت ،طاف به الدنيا وهو في بطنه .وحين ظن هذاالنبي أنه هالك لا محالة . قررت الحكمة الإلاهية أن تنجيه .فخرج من سجنه سليما معافى .
قال محمد والأسى يملأ قلبه :
_لكن أبي ليس يوسف ولا يونس.
_أعلم لكن الله سبحانه جعل لنا في أنبيائه وأصفيائه عبرة كي نعتبر بها .والعبرة في المثالين اللذين ذكرت هو أن لا نفقد الأمل أبدا .اسمع بني، كل انسان ليس له سوى قدر واحدووحيد لن يحيد عنه مهما حاول .وإذا كان الله قد قدر لأبيك النجاة فسينجولا محالة ،كن متأكدامن هذا الأمر بني وستريك الأيام أن عمك هشوم كان صادقا في قوله ..
لم يعلق محمد على قول بّا هشوم وإن كان تفاءل به .ماقاله الرجل صحيح ومنطقي .غمره شعور رائع لكونه ابن ميمون عكراد .الرجل الذي انتفض ضد الظلم والاستبداد ،ولقن الشاوش عتابو درسا سيظل حديث الرجال حتى وقت طويل .
قطع عليه ّبا هشوم حبل تفكيره وهو يقول مبتسما :
_أنت ابن حلال ..لقد كنت في حاجة ماسة لمن يساعدني .
ضحك وقال :
_والحقيقة أنك لم تخطر ببالي .غير انني حين أخبرت خالتك السعدية بحاجتي إلى من يساعدني ..عاتبتني بسببك. قالت :
_كيف تبحت عمن يعينك في المقهى وابن أختي محمد موجود.
ضربت على جبهتي وأنا أقول :
_والله أنت على حق كيف نسيت ابني محمد .
كلمة ابني أثرت فيه .كان يعلم أن ّبا هشوم يحبه ويقدره كأنه ابنه تماما .حين كا ن يزوره في البيت وحيدا أو بمعية أمه ،كان يعامله بلطف .وفي بعض الأحيان يرافقه لصيد السمك على ضفة نهر زايز .با هشوم كان خبيرابالأماكن الغنية بالسمك يقصدها كما يقصد بيته ،وعبرطقوس خاصة يهيئ لنفسه المكان المناسب للإستمتاع بهوايته . يلقي بالصنارة في الماء ،ثم ينتظر وهو يدندن مرددا ما يحفظه من سرابات شهيرة .وحين تعلق سمكة في الصنارة ،يرفعها بمهارة فائقة ،تحلق السمكة في الأجواء تلف لفة واسعةعلى شكل نصف دائرة ، ثم تعود كي تستقر بين أنامله .يصيح ّبا هشوم :
_هكا وا هاك
يبتسم محمد ، وهو يرى نشوة لا يمكن وصفها تشع كوميض لامع من بين جفون زوج خالته .
يمضي محمد رفقة ّبا هشوم ساعات ممتعة ،وهو يملأ سلة قصبية بالسمك الطري .ثم يعودان إلى البيت .يعرف محمد أن الجزء الأكبر من هذا الصيد الوفير سيكون من نصيبه .وفعلا تضع خالته أغلب ما اصطاده زوجها في سلة متوسطة الحجم ثم تقول له احمل هذا إلى أمك .يعترض محمد قائلا :
_لكن هذا كثير .
تقول مبتسمة وهي تنظر إلى زوجها :
_لو لم تكن أنت لما جلب عمك هشوم كل هذه العرائس الجميلة .
يبتسم ّبا هشوم ويرد :
_صدقت ..السمك لا يكون جميلا إلا هو يسبح بحرية في الماء .
يحمل محمد السلة إلى أمه .تحتقظ منها بالقليل ، وما تبقى توزعه على الجيران .هذا كان ذأب أم محمد لاتستمتع بمثل هذه الهدايا إلا إذا تقاسمتها مع الجيران .
تذكر محمد طفولته الأولى التي قضاها رفقة أبيه وبّا هشوم كانت تلك الأيام أسعد أيام حياته .ولعل تلك الذكريات الوردية هي ما حببت إليه العمل مع هذا الرجل الطيب الذي يعتبره كأب ثاني له .
انتبه محمد إلى نفسه ،على صوت بّا هشوم وهو يقول :
_ والآن دعنا نتحدث في العمل
_أمرك بّا هشوم .
_مهمتك تتمثل في نقل ما أعده من مشروبات إلى الزبائن . وحين يرحل الجميع ،تساعدني في ترتيب المقهى وغسل الكؤوس والأباريق وكل الأواني التي تحتاج إلى تنظيف .
_حاضر ّبا هشوم ..سأفعل كل ما تأمرني به .
ربت باهشوم على كتف محمد وقال :
_الله يرضي عليك يابني ..أعرف أنه بالإمكان الاعتماد عليك .
احتفى الزبناء بمحمد احتفاء بالغا .رحب به الكل .كانوا يمتدحونه حين يقدم الطلبات قائلين :
_ تعيش يابطل .
الجملة في الحقيقة كانت تعني ،تعيش يا ابن البطل .محمد الذي لم يكن يخفى عليه المعنى الخفي للمدح ،كان يشعر بالفخر والاعتزاز بموقف أبيه الذي رفع رأسه بين الرجال .ثناء الرجال عليه ،وحفاوتهم به جعله ينسى كل الألم والحزن اللذان نجماعن أسر والده . في قرارة نفسه شكر خالته السعدية التي اقترحت على زوجها أن يدعوه إلى العمل معه .في المقهى كان ينسى بعضا من همومه ،شقاوة الزبائن فيما بينهم كانت تسليه يغمره احساس بالنشوة والفرح . ضحكهم الصاخب،وهم يتنذرون ببعضهم البعض كلما انتصرفريق على غريمه في لعبة الورق أو الضامة ،تجعل المرء يعتقد أن هؤلاء القوم لاشيئ في الدنيا يعكر صفو حياتهم .اللعب لم يكن يخلو من مواجهات ، يعلو الصراخ ، يتبادلون التهم بالغش فيما بينهم . يملأ الضجيج المكان ،يعلو الصراخ ويصبح جو المقهى لا يطاق .في البدء خشي محمد أن يتشابك الرجال بالأيدي ،انتظر أن يتدخل بّا هشوم لفك النزاع ، لكن هذا الأخيركان منهمكا في عمله وهو يبتسم وكأن الأمر لايعنيه ،أو كأن ما يحدث يحدث خارج المقهى بعيدا عنه.فجأة يعم الهدوء ،يعود الرجال إلى الانخراط في اللعب وقد نسواماكانوا فيه مناوشات ومناقرات .
يقضي الرجال الساعات الطوال في المقهى ، لا يحفلون بالوقت ،لأنه يملكون منه ما يكفي ويزيد .حين يصدح صوت الآذان من المسجد القريب من المقهى ،يصم الرجال آذانهم عنه ،كأن الداعي إلى الصلاة يدعو قوما آخرين غيرهم .ينتظر الإمام وحين يعييه الانتظار يؤم الصلاة رفقة عدد من المصلين لا يتجاوزون أصابع اليد الواحدة .
أمضى محمد سحابة يومه مستمتعا بالعمل في المقهى .في المساء حين عاد البيت .استقبلته أمه قائلة :
_ مرحى بني ..أتمنى أن يكون قد أعجبك العمل .
هتف محمد :
_جدا ..جدا
أخبرها أنه أمضى يوما من أجمل أيام حياته رفقة باهشوم وزبائنه .البهجة التي قرأتها مريم في عيني ابنها اسعدتها وابتسمت بفخر حين أخبرهامحمد أن الزبائن كانوا ينادونه بابن البطل .
ابتسم وهو يقول :
_تصوري أمي ..أنني لم أعد حزينا لأن أبي في السجن .
تدفق الدمع من عيني مريم كانت تبكي في صمت لكن بحرقة مؤلمة . ما حل بزوجها جعل الدمع يسيح من عينيها بسخاء.بكاؤها نغص عليه فرحته .دنا منها محمد ضمها إليه ،عانقته بكل قوة ثم دفنت وجهها في صدره وراحت تنشج كطفلة صغير ة تاهت عن أمها .
بعد يومين ،وبينما كان المقهى شبه فارغ .قال ّباهشوم لمحمد :
_يبدو أن مخزوننا من السكر قد أوشك على النفاذ.
نظر إليه محمد بصمت كأنه يقول :ما العمل ؟
بّا هشوم الذي قرأ السؤال في عيني محمد قال مبتسما :
_اذهب إلى التاجر يعقوب ، أخبره أن السكرقد نفذ لدينا .
_حاضر
كان محمد يعرف متاجر الفرنسيين المتواجدة في القرية واحدا واحدا كما يعرفها الجميع .عددهها لم يكن يتجاوز أصابع اليدين .تنتصب في الجهة المقابلة لمقر السوق الأسبوعي المسيج بسور من الطين .أهم زبائن هذه الدكاكين كان الجنود الفرنسيون ، أما السكان فقد كانوايتبضعون يوم السوق .هذا لايعني أنهم لم يكونوا يلجأون إلى هذه المتاجر ، على العكس كانوايقبلون عليها بكثرة إما لجلب الكاز الذي يحتاجونه إليه في الإنارة أو لاقتناء السكر والبن إذاكانا متوفرين .
حين وقف بباب الدكان رأى اليهودي يعقوب واقفا وظهره إلى الباب وهو يرتب بعض السلع على الرفوف .وفي الجهة الأخرى من المتجركانت تجلس فتاة ،في مثل سنه أوتصغره قليلا ،فائقة الحسن و الجمال .كانت الفتاة مطرقة ، بيدها قلم ودفتر تدون بأناملها الجميلة مايمليه عليها أبوها . حين شعرت به يقف بباب الدكان رفعت نحوه بصرها ثم ابتسمت .سحره جمال عينيها الزرقاوين وابتسامتها العذبة التي زادت وجهها جمالا وألقا . ظل ينظر إليها كالأبله ،يحاول الكلام لكن دون جدوى .وكأن الفتاة قرأت ما يجول بين تلافيف دماغه فاتسعت إبتسامتها.نظرت إلى أبيها وقالت بصوت موسيقي رخيم :
_ بابا لدينا زبون
التفت يعقوب فرأى محمد واقفا كتمثال أصم لايتكلم .
_نعم.. قال يعقوب.
صوت يعقوب أيقظه من سباته ،فنبر :
_ أرسلني ..أرسلني ..
عاود الابتسام الفتاة وهي ترى الارتباك الذي حل بمحمد .
_ من أرسلك يابني.. تكلم ؟
_بّا..بّاهشوم
ابتسم يعقوب وقال:
_مرحبا ماذا يريد بّا هشوم
تمتم محمد :
_طلب ..طلب مني أن أخبرك أنه يحتاج إلى السكر.
_هل يريدها الآن ؟
_إذا كان ذلك ممكنا .
قال يعقوب :
_ مع الأسف هناك أزمة في هذه المادة هذه الأيام ، لكن اخبرهشوم أني سأتد برالأمر ..اذهب الآن وعد غد ا في مثل هذا الوقت .
تمنى محمد لوكان بإمكنه البقاءمدة أطول ليستمتع بالنظر إلى الوجه الجميل لهذه الفتاة الفاتنة .لكن يعقوب حسم الأمر لم يعد لديه مسوغ للبقاء أكثر .قال وهو ينقل النظر بين الفتاة ووالدها :
_ السلام عليكم .
رد يعقوب :
_ إلى الغد يابني .
أما الفتاة فقدرمقته بنظرة سريعة وعلى شفتيها ابتسامة ماكرة ، ثم عادت تنظر إلى ما بين يديها تاركة محمديحمل صورتها في عينيه وعقله ووجدانه .شعر محمد وهو يجر الخطى عائدا إلى المقهى أنه ترك قلبه في دكان يعقوب اليهودي .صورة الفتاة بجمالها الساحر طبعت في قلبه و شاشة ذهنه إلى الأبد .

——————–

كاتب الرواية عزيز أمعي

كاتب الرواية عزيز أمعي