رواية تلك الأيام – الحلقة الثانية عشر

azizama3iriwaya

حين بلغ مريم النبأ الذي سرى في القرية وفي كل المناطق المجاورة سريان النار في الهشيم .بكت بحرقة لطمت خديها وهي تولول قائلة :
_آه يا محمد ..أه يا بني ..لن ترى أبوك بعد اليوم أبدا
دموعها كانت تنساب بسخاء على خديها وهي تنوح نواح الثكالى :
_آه يا ميمون ..لماذا فعلت بنفسك هذا ..لماذا ..لماذا؟
تصمت لحظة ثم تتابع :
_سيسقونك الماء والملح ، إلى أن تذوب كما يذوب الصابون في الماء .أه ..يا ميمون ..أه
ابنها محمدكان ينظر إليها متألما والدمع يطل من مقلتيه .شعر بالعجزوعدم القدرة على مواساة أمه . جلس على كيس من التبن غير بعيد عنها .راح يراقبها وهي تبكي وتتألم .تمنى لو كان بإمكانه أن يفعل شيئا ليخفف عنها بعض الذي يجيش في قلبها من حزن وألم . لكنه يعرف أنه لايملك لها حولا ولا قوة .إلى جواره استلقى بوخيس كلبهم الأسودغير آبه بما يحدث حوله . مد الحيوان الأليف ساقيه الأماميتين. وضع جمجمته عليهما .وبلا مبالاة تامة راح يتابع المشهد الحزين الذي يعرض أمامه .
محمد الذي تأثر بما حل بأبيه ،وبالحزن الذي يكاد يقضي على أمه .تمنى لو كان بإمكانه أن يبكي مثلها .لكن شيئا ما كان يجثم على قلبه وأحاسيسه مانعا الدمع من أن ينساب على خديه .صوت أمه الذي كان يمزق طبلة أذنيه ناعيا إليه أبيه ،كان لا يحتمل .تساءل في صمت وهويسترجع كلام أمه المريع ، ماالذي سيحدث لأبيه هل سيتم إعدامه بجريرته التي اقترفها في حق الشاوش .هل سيعدم أو يموت في السجن كما تزعم أمه .لكن أباه كما فهم لم يكن المعتدي، الشاوش هو الذي ظلمه ،هجم عليه وهو يودع صديقه الذي اغتيل غدرا بيد آثمة. اليد الغادرة التي نجحت في ازها ق روح الشيخ لم تكن سوى يد الوحش . هذا ما تهمس به بعض الألسن في الخفاء، والوحش ما هو إلا أداة من أدوات القائد الكثيرة التي يستعملها أنى شاء و كيفماشاء . يد عروب الغاشمة كانت تستهدف والده ،لكن الأجل اختار الشيخ الوقور بدلا عنه مستثنيا أباه . لكن هذا الأخيرثار وانتقم للشيخ،وبذلك أعطى مبررا كافيا للقائد كي ينتقم منه أشد انتقام .لا شك أن القائد سيسهر على جعله عبرة للجميع ، سيريه ألوان العذاب في السجن ، ولن يخلي سبيله إلا وهو جثة هامدة .هذا ما قالت أمه ولهذا كانت تردد وهي تصيح صياح الثكالى بأنه سيصير يتيما .
فجأة نهض الكلب الذي كان مستلقيا إلى جانبه وطفق ينبح .إلتفت محمدإلى حيث ينبح الكلب فرأى خالته السعدية رفقة بعض النسوة قادمات نحو البيت .ماكادت أمه تلتقي بأختها حتى ألقت كل واحدة منهما بنفسها في حضن الأخرى. انخرطتامعا في بكاء هستيري ، النسوة لم يتمالكن أنفسهن فشاركن المرأتثين في النواح والعويل .هذا المشهد ذكرمحمدا بما كان يحدث في المآتم من لطم للوجوه وندبها ،وحث التراب على الرؤوس وشق الجيوب .تصرف مخيف كان يجعله يتصور الموت حيوانا خرافيا أو غولا بشعا يلتهم الأرواح والأجساد،مستلدا بسمفونيات العويل والندب التي يخلفها وراءه .
بعدما انتهى الكل من البكاء والنواح ، حاولت السعدية أن تتمالك نفسها .ابتسمت والدمع لا يزال يملؤ خديها .قالت وهي تحاول أن تعيد لأختها أملا كاذبا :
_كلنا نعلم ..أن ما جرى ليس حدثا هينا ،فزوجك تطاول على الشاوش وسبب له عاهة قد لا يتمكن من الشفاء منها بسرعة .ونعلم أيضا أن القبطان والقائد عروب ،سيحاولان تأديبه حتى يكون عبرة لكل من قد تسول له نفسه التطاول على أزلام القائد .لكن على الرغم من كل هذا ،فربنا موجود .وإذا كان مقدرا له أن ينجو من هذه المصيبة فسينجو بإذنه عز وجل ،ولن يعجزه لا القائد ولا القبطان .
صمتت لحظة ، نظرت الى النساء كأنها تسألهن العون .قالت إحداهن لتدعم قولها:
_ صدقت السعدية ، إذا كان الله قد أنقده من الحجرة التي كانت موجهة إليه كي تضع حدا لحياته، فإنه قادر بقوته التي لاتقهر على انقاده من هذه الورطة الوبيلة .
همست النساء جميعا وقد أعجبهن قول المرأة :
_صحيح ..صحيح
ثم طفق من حضر من النساء يشجعن حليمة و يحاولن على قدر المستطاع أن يعدن الأمل إلى فؤادها المكلوم.حاولت كل واحدة منهن أن تروي قصة مماثلة لأشخاص استحقوا عقاب القائد ، وظن أهلهم أنهم لن يروهم مرة أخرى .لكن العناية الإلاهية قررت العكس ،فخرج المعتقلون من السجن وعادوا إلى أهلهم وبيوتهم .
كلام النساء الذي لم يقتنع به عقل مريم، وجدعلى الرغم من ذلك بعض الصدى في نفسها ،أدخل قليلا من الدفئ على قلبها .شعرت ببعض الارتياح وتسرب إلى نفسها وميض من الأمل .
مسحت مريم دمعها .شكرت النساء على قدومهن لمواساتها .قالت :
_ معذرة .. نسيت أن أقوم بواجب الضيافة نحوكن.
قالت إحداهن وأمن الكل على كلامها :
_ ويلي.. أختي مريم شهاد الكلام حنا جينا نواسيوك ولا جينا نضايفو ؟ .
قولهن أدخل السعادة على فؤادها.مجيء أختها والنساء إليها.كلامهن الطيب المفعم بالأمل .كل هذا جعلها تشعر أن ظهرها مسنود .الألم حين نتقاسمه مع الآخرين يخف حمله. تواتينا القدرة على التعايش معه ومقاومته إلى حين .عبر كوة صغيرة يتسرب إلى قلوبنا شعاع من الرجاء ونصبح أكثر استعدادا للثقة في الغد .
مكثت النساء مع مريم فترة من الزمن يواسينها ويخففن عنها .بعد ذلك استأذن في المغادرة .سألتهن مريم البقاء .لكنهن اعتذرن بما لايزال ينتظرهن من مهام في بيوتهن .قالت السعدية :
_اذهبن أنتن رافقتكن السلامة .أنا سأبقى مع أختي .
قالت النسوة جميعا :
_هذا طبيعي
قالت مريم مخاطبة محمدا :
_رافق خالاتك إلى الخارج .بوخيس قد يهاجم أحداهن .
نهض محمد .بعدما أوصت النساء مريم بأن لاتتأخر في الاتصال إذا ما احتاجت إليهن .شكرتهن ثم ودعتهن.رافقهن محمد إلى أن ابتعد ن قليلا ثم طلبن منه العودة .وأوصينه خيرا بأمه .وهن يبتعد عنهن سمع إحداهن تقول :
_خسارة أن يتيتم هذا الفتى الجميل .
اعترضت أخرى على كلامها قائلة :
_ فال الله ولا فالك ..شدة وتزول إن شاء الله .
حين دخل محمد الغرفة حيث ترك أمه وخالته .سمع هذه الأخيرة تقول :
_لقد تأخرت عن النسوة لأني أريد أن أحدثك في أمر مهم خطر ببالي .
قالت أم محمد :
_ما الأمر .. تكلمي .
صفنت السعدية قليلا ثم قالت :
_ما رأيك لو نذهب إلى الفقيه بن الصديق ،لنستطلع طالع زوجك .
وكأن مريم كانت نائمة واستيقظت من نومها .هتفت :
_والله فكرة لاأدري كيف غابت عني؟
_ياحبيبتي ..ما وقع لك يجعل الأم تنسى رضيعها .
_صدقت يا أختي ..المصيبة شلت قدرتي على التفكير.
وبعد تفكير غير طويل سألت أختها :
_ متى نذهب إليه؟
قالت السعدية :
_الآن لو أردت
_على بركة الله .
نهضت المرأتان .وضعت مريم خمارا أسود اللون على رأسها .بحثت عن سلة صغيرة وضعت فيها ما تيسر من بيض وسمن قديم .ثم قالت مخاطبة ابنها :
_ابق يا ولدي في البيت إلى أن أعود .
سألها محمد:
_هل ستتأخرين طويلا ؟
_لا ..لن يطول غيابي .
التفتت إلى أختها وقالت :
_ هيا بنا .
استقبلتهم تلايتماس زوجة الفقيه التي سمعت من زوجها ما حدث لميمون .
قالت وهي ترحب بهما :
_ مرحبا ..مرحبا
وهي تدخلهما إلى البيت قالت مواسية الأختين :
_ شدة وتزول أن شاء الله
شكرتها السعدية باسم أختها ،ثم سألتها :
_سي بن الصديق موجود
_نعم ..موجود إنه في المسجد
_ نريد رؤيته إذا سمحت .
ابتسمت وقالت بلطف :
_ لن أدعوه ،قبل أن أقوم بواجب ضيافتكما.
اعترضت مريم ،وآزرتها أختها في ذلك لكن المرأة أصرت . ولم يكن أمامهما سوى الخضوع لطلبها .
تناولت السعدية القليل من اللبن الذي أعدته زوجة الفقيه ، أما مريم فاعتذرت بلطف على الرغم من أصرار زوجة الفقيه .قالت السعدية مخاطبة تلايتماس :
_تعبناك يا أختي .
_أبدا البيت بيتكم .
التفتت تلايتماس نحو مريم قالت بتأثر صادق :
_سمعنا حبيبتي بما جرى ، لكن اصبري ..ستفرج بإذن الله
قالت السعدية :
_ شكرا حبيبتي ..ومن أجل ذلك جئنا لعل الفقيه يفرحنا بما في الغيب من أمل .
نهضت تلا يتماس وهي تقول:
_ سأخبره بحضوركما …
غابت للحظات ثم ،عادت .أشارت وهي تقول :
_ تفضلا .
استقبلهما الفقيه بن الصديق بالترحاب في غرفة محادية للمسجد اعتاد أن يستقبل فيها زبائنه .كان الفقيه رجلا في العقد السادس من عمره .أبيض اللون خداه صافيان موردان كخدود العذارى الحسان ،تحف بهما لحية قصيرةغزاها شيب كثير .متوسط القامة ببطن ضخم رهلته كثرة الولائم .
_أهلا ..أهلا
قالت السعدية :
_أهلا بك سي الفقيه
_كيف حال محمد لم أره منذ مدة .
قالت مريم بحزن :
_ المسكين لا يغادر البيت منذ أن أستدعي أبوه إلى العمل في ورش الفرش .
وقبل أن يسألهما عن سبب قدومهما وإن كان قد حدسه مسبقا.قال بتأثر صادق :
_أعلم .. بلغني ما حدث لميمون ..لاحول ولاقوة بالله
غلبت العبرات مريم .مسحت عينيها بردن قميصها،أطرقت دون كلام .
قال الفقيه :
_ استغفري الله يابنتي ..دع عنك البكاء .أعلم أن ماحدث لزوجك ليس بالأمر الهين .لكن..
همس قائلا كأنه يخشى أن تسمعه الحيطان :
_لكنه كان رجلا بحق ..القبيلة كلها تثني سرا على تصرفه .
كلام الفقيه أثلج صدر مريم شعرت بالفخر.شهادة الفقيه لها قيمة بين الناس .تنهدت بأسف وأسى ثم قالت :
_الزمن ليس زمن الرجولة يا سيدي ،بل هو زمن الحيطة والحذروالنفاق والمداهنة .
_ لاتقولي هذا يا ابنتي ..لكل زمن رجاله ..ومهما كثر الجبناء والخونة في قرية ما ..يظل نصيب الرجال الشجعان وافرا مصانا .
قالت السعدية التي كانت تستعجل الخوض في الموضوع الذي جاءت هي وأختها من أجله:
_صدقت سي الفقيه ..أرجو أن تلتمس العذر لأختي فمصابها جلل.
_كان الله في عونها ،لكن الإنسان لايجب أن ييأس .الأمل في الله كبير . وما قدره الله لا بد أن يصير .
_ومن أجل ذلك أتينا إليك ،نريدك أن تسأل كتبك لعلها تبشرنا بما يذهب الهم والغم .
التفت نحو مجموعة من الكتب صفراء اللون ،كانت موضوعة على طاولة صغيرة قريبة منه . بعض هذه الكتب كان منزوع الغلاف ،اوراقه مقطوعة الحواف ،وملطخة ببقع من المداد الأسود . مجموعة من الأقلام المصنوعة من القصب كانت مسجاة إلى جوار هذه الكتب ،وبقرها محبرة صمغ .
قال الفقيه :
_ على الرأس والعين للا السعدية .
أخذ ورقة بيضاء،ثناها بين أنامله البضة . قسمها نصفين .وضع النصف الأول على الطاولة ،ثم طفق يكتب رموزا مبهمة على النصف الآخر.سأل مريم عن اسم أم زوجها .
_خد يجة ،أجابت مريم .
انطلق الفقيه يحول الرموز إلى أرقام .جمع الكل ،ضرب ثم قسم ، ليحصل في الأخير على رقم واحد.وضع الورقة على الطاولة ،فتح الكتاب ، أخذ يقلب أوراقه إلى أن استقر على إحداها . كانت مريم وأختها تراقبانه بقلق ،كأنهما جالستان على جمر من لظى . بدأ يقرأ بصمت ما في الكتاب .نفد صبر المرأتين وهما تريان أن قراءة الفقيه طالت أكثر مما يجب .نبرت السعدية :
_ هه طمئنا سي الفقيه الله يجازيك
أشار إليها بيده وهو يحرك شفتيه بصمت ، كأنه يقرأ للاستمتاع .بعد فترة غير قصيرة خالتها الأختين دهرا كاملا .وضع الفقيه الكتاب ثم إلتفت إلى المرأتين .عيونهماكانت معلقة بشفتيه .قال الفقيه:
_الخط للا سعدية يقول أن زوج أختك سيطلق سراحه قريبا على يد امرأة و إن مريم ستفارق شخصا عزيزا عليها هذا ماقاله الخط والله أعلم.
فرحت مريم بنبأ إطلاق سراح زوجها ، لكن فرحتها لم تكتمل وهي تسمع الفقيه يخبرها بأنها ستفارق شخصا عزيزا عليها .سألته والقلق يملأ مقلتيها :
_الشخص المذكور هل سأفارقه.. بسبب..موت
أجاب الفقيه :
_ لا ..لا الفراق سببه السفر .
حمدت الله وهي تسمع تطمينات الفقيه ، قالت في سرها المهم أن لا يفرق الموت بيني وبين أعزائي ، وليكن ما يريده الله .
وقبل أن يجمع الفقيه كتبه .سألته مريم :
_عفوا سي الفقيه .المرأة التي ستتدخل لصالح زوجي ،من تكون ؟
ابتسم الفقيه،وقد أدرك دواعي طرح ا السؤال :
_ العلم لله للا مريم

————–

كاتب الرواية عزيز أمعي

كاتب الرواية عزيز أمعي