رواية تلك الأيام – الحلقة الحادية عشر

azizama3iriwaya

عند مطلع الفجر ،استيقظ ميمون ورفاقه على صوت الشاوش اعتابو،وهو يأمر بمعية حارسه العمال بالاستيقاظ من النوم والاستعداد للعمل .هب الجميع من مرقده مخافة أن يتأخر أحدهم فيتعرض لتأنيب الشاوش وربما معاقبته .
اتجه الجميع إلى أماكنهم المعتادة بعدما تناولوا الهزيل من الطعام .رجال في مقتبل العمر ،لا زال الشباب يمنحهم على الرغم من الجوع والجهد قوة وقدرة على العمل .كهول وشيوخ بأجساد ضامرة ووجوه كالحة يحملون الفؤوس والمعاول والمطارق الكبيرة ، يجرون الخطى نحو أماكن عملهم كأنهم مجرمون عتاة حكم عليهم بالإشغال الشاقة .
انتشر العمال ملئوا المكان ،كانوا يحفرون ويكسرون ما يعترض سبيلهم من جلاميد صلدة .الشاوش اعتابو كان كعادته يمتطي فرسه ،بيده سوط طويل لا يتوانى عن استخدامه حين تدعو الضرورة إلى ذلك .تجول في أنحاء الورشة .كل شيء كان يسير على أحسن ما يرام .العمال حاضرون بدون استثناء . الجميع منهمك في العمل كما يجب .
بعد أن تحقق من أن لا غياب في صفوف العمال ،اتجه إلى مقر إقامته، وكان عبارة عن خيمة تشبه غرفة قائمة بذاتها زوده به الفرنسيون .حين بلغها ترجل عن فرسه ،ثم دلف إلى الغرفة .جلس على الكرسي وضع السوط على منضدة خشبية صغيرة .جاءه العون بطعام الفطور .وضعه أمامه .اختفى العون ثانية ثم عاد يحمل طست وإناء .غسل الشاوش اعتابو يديه .مسحهما بفوطة كان العون يضعها على كتفه .دنا من الطاولة وطفق يتناول الطعام بنهم كبير .توقف عن الأكل سأل خادمه دون أن يلتفت أليه :
_هل تأكدت أنه في المكان المطلوب ؟
أجاب العون وقد أدرك ما الذي يقصده سيده :
_نعم سيدي
_جميل ..جميل
ساد صمت لبرهة قصيرة ثم عاود السؤال :
_من الذي يرافقه من العمال ؟
_يصاحبه شيخ يدعى علي وعمر .
_طيب.. راقبهما جيدا عن كثب .
_أمرك سيدي .
في هذا الأثناء كان ميمون يعالج حجرة كبيرة تشكل جزءا من الجبل المنتصب أمام العمال كهرم شامخ . غير بعيد عنه كان الشيخ علي يجمع ما يتطاير من أجزاء الصخرة الكبيرة ، التي بدأت تتنازل مرغمة عن بعض شظاياها لمطرقته الصماء .يضع الشيخ الأجزاء المنفصلة عن الصخرة على متن نقالة يدوية ،وحين تمتلئ يدفعها بوهن أمامه .يفرغ المحتوى بعيدا ثم يعود ليحمل الصخر المتساقط من جديد .
مضى من النهار أكثر من نصفه .توسطت الجوزاء كبد السماء ،أشعتها الذهبية كانت تنزل من السماء كسهام ثاقبة .فجأة انطلقت صفارة الحارس تعلن عن وقت الاستراحة . الزمن المخصص لهذه الفترة لا يتجاوز ساعة ،خلاله يتناول العمال ما بحوزتهم من طعام ثم يعودون للعمل .
ترك ميمون المطرقة تسقط من يده واتجه نحو رفيقه .كان العرق يرشح من مسام جلده و يتصبب غزيرا على جسده .قصد الشيخ الذي كان ينتظره ليتناولا الطعام معا .جلس إلى جواره قال وهو يبتسم :
_هه ..ياعم علي ، ماذا طبخت لنا اليوم ؟
ابتسم الشيخ ،ثم قال مازحا :
_كل ما تشتهيه نفسكم مما لذ وطاب من الأطعمة اللذيذة .
فتح مزودا صغيرا بعمر نوح ،استخرج خبزة من الشعير الأسود متوسطة الحجم ، مد يده ثانية سحب عدة رؤوس من البصل الأحمر ، وقليل من الزيتون الأسود .وضع عناصر الوجبة الغذائية أمام ميمون ثم قال مبتسما :
_ ما رأيك في هذه الوليمة الصغيرة .
ابتسم ميمون بدوره وقال :
_ رائعة ..رائعة أيها الشيخ الكريم .
_إذن هيا كل بالهناء والصحة
نهض ميمون وهو يقول :
_حاضر لحظة ، اغسل يدي ثم أعود
اتجه ميمون نحو جدول ماء غير بعيد عنهما .في اللحظة التي انحنى فيها ليغسل يديه.سمع الشيخ يصيح محذرا :
_ ميمون .. ميمون ..انتبه
التفت ميمون نحو الشيخ ليفهم ما الذي يجري .فجأة شاهد صخرة كبيرة تتهاوى بسرعة جنونية في اتجاهه .وقبل أن يتحرك من مكانه رأى الصخرة تصطدم بجدع شجرة بلوط ضخمة .ثم تغير مسارها ،بغتة نطت كقذيفة مدفعية في الهواء . وفي طريقها نحو المنحدر لطمت الشيخ علي في صدره .طار الشيخ كأنه قطعة خشب يابسة، ثم هوى بعيدا على ظهره بدون حراك .في حين واصلت الحجرة تدحرجها إلى أسفل الجبل .
جرى ميمون نحو الشيخ المصاب .كان الدم قد بدأ يتدفق من فمه وأنفه.حمله ميمون بين يديه وهو يقول :
_لا تقلق يا عم علي ،بسيطة إن شاء الله .
وكأنه لم يسمع تطمينات ميمون اليائسة ٌهمس :
_لقد .. لقد..رأيته
نبر ميمون :
_رأيت من ؟
_الذي دفع الصخرة نحوك .
قال ميمون ،وقد أرعبه ما سمع من الشيخ :
_لا تجهد نفسك سي علي ..سنحملك إلى الطبيب ، وستشفى إن شاء الله .
ابتسم الشيخ ، والدم يزداد تدفقا على صدره .
_ أظن ..أن..الو..قت ..قد ..حان ..لأ لح..ق ..ب..زهرة
طفق ميمون يصيح :
_النجدة ..النجدة
قال الشيخ وهو يجاهد ليتمم كلامه :
_لا.. تتعب.. نفسك ..أنا ميت ..أنت..به لنف..سك ..إنهم ..يريدونك ..لقد رأيته ..
سأله ميمون :
_رأيت الذي ألقى بالصخرة
_من كان؟
_إنه..إنه …الوح…
وقبل أن ينهي كلامه سعل سعالا حادا ثم انسلت روحه من جسده الضامر لتحلق نحو الملكوت الأعلى .في هذه الأثناء دنا بعض العمال منهما ،الكل كان يتساءل عما جرى .حاول ميمون أن يتكلم لكن صوته ضاع منه وظل يحملق إلى الجثة التي كانت بين يديه .فجأة طفق يصرخ متألما وهو يقول :
_أبناء الكلب أرادوا قتلي فقتلوه .
_ابتعدوا ..هيا ابتعدوا ..ماالذي يحدث هنا ؟
كان الصوت صوت الشاوش اعتابو ، التفت الجميع نحوه،رأوه يطل من أعلى صهوة جواده وإلى جانبه العون الذي لا يفارقه أبدا .انفرج الحشد أمامه .تقدم الشاوش من ميمون سأله :
_ما الذي حدث؟
رفض ميمون أن يجيب .ظل متشبثا بالجثة . كأنه ينتظر أن تحدث معجزة ،معجزة خارقة تجعل الشيخ يعود كرة أخرى إلى الحياة .
دنا مساعد الشاوش من ميمون ،لكزه بعصا كانت في يده وقال :
_أجب الشاوش إنه يخاطبك
وضع ميمون الجثة بمهل على الأرض .نهض أمسك الحارس من خناقه وبكل قوة نطحه في وجه .سقط الرجل مغشيا عليه كأنه فارق الحياة .الشاوش اعتابو الذي فاجأه هكذا تصرف رفع سوطه لوح به في الهواء وهو يسب ويلعن ، ثم وجهه نحو ميمون .حين دنا السوط من هذا الأخير انحنى قليلا مر السوط فوق رأسه، وقبل أن تعود الآلة الجهنمية إلى صاحبها أمسكها ميمون بيمناه بسرعة البرق .أحكم قبضته على السوط . ثبت قدميه بقوة على الأرض ،ثم وقف ينظر إلى خصمه بتحد .أصبح السوط الآن معلقا بين الرجلين كل واحد منهما يمسك طرفا بيده .الشاوش يمسك قبضة السوط وميمون يشد طرفه الأخر بكل حزم .تجاذبا السوط بشدة كل منهما يريد أن يخلصه من الأخر .لحظات حرجة ،توفزت لها الأعصاب وشخصت الأبصار. تساءل الجميع إلى من ستؤول الغلبة . الشاوش فوجئ بردة فعل ميمون الذي قرر أن يواجه الشاوش غير آبه بالنتائج .اجتاح الغضب والحنق اعتابو لم يتوقع أن تكون ردة فعل ميمون بهذه الرعونة .جذب بكل قوة كي ينهي الأمر لصالحه ، لكنه لم يفلح في مسعاه . خشي على هيبته من أن تتمرغ في الوحل أمام حشد العمال الذين كانوا يتابعون أطوار ما يجري بأنفاس مقطوعة.بقي الشاوش متشبتا بالسوط بكل ما يملك من قوة.ميمون الذي حوله اغتيال الشيخ إلى وحش ضاري ،قرر أن يخوض المعركة إلى نهايتها مدركا أن السجن أهون ما ينتظره من عقاب .قال في نفسه لا يهم الظروف شاءت أن تمنحني فرصة سانحة لمعاقبة هذا النذل ، ولن أتركها تفلت مني ولو كان في ذلك حتفي . كان يعلم أن عقابه سيكون شديدا خاصة من قبل القائد عروب . لكنه قرر أن ينسى الأمر ،ما كان يهمه الآن هو واجب الانتقام للشيخ علي ، هذا الرجل الذي ذهب ضحية جريرة لم يجترحها . قال لنفسه :هذا الوغد يجب أن يلقن درسا نيابة عن الشيخ ،و عن كل هؤلاء المساكين الذين يسومهم العذاب في أتون هذا الورش الرهيب .
كان موقفا مثيرا هذا الذي نشب بين الشاوش وميمون ، العمال جميعا توقفوا عن العمل احتشد الكل تجمهروا حول الرجلين وراحوا يتابعون المشهد بحماس وقلق .حماسهم نجم عن الموقف الرجولي الذي أبان عنه ميمون . قلقهم كان نابعا عما ستؤول إليه الأمور ،ومما ينتظر ميمونا من قبل الفرنسيين ، والقائد . لم يكن يتمنى أي منهم أن يكون في موقف ميمون ، وإن كانت القلوب كلها تدعو له ، كان انتصاره بمثابة انتصار لهم.الإنسان المقهور والخائف ، غالبا ما يتمنى أن يحقق له الآخر الانتقام من المتسلط عليه ،أما هو فالجبن والجهل بمصلحته عاملان يقطعان عليه الطريق أمام أي رغبة في التغيير .
ماذا سيحدث من سينتصر في هذا الصراع العنيف ،هذا ما كان يشغل بال العمال وهم يرون الخصمين ،متشبتين بالسوط لا أحد منهما يتمكن من تخليصه من يد منافسه .فجأة نبقت فكرة في رأس ميمون لم يتردد لحظة في تنفيذها .رآه العمال يلتف بسرعة حول الشاوش الذي كان لا يزال متشبتا بالسوط .وحين أصبح في الجهة الأخرى خلف اعتابو أمسك السوط الذي أصبح ملتفا حول خاصرة الشاوش بكلتا يديه ،ثم جذب خصمه . رأى الرجال الشاوش يطير من على صهوة فرسه ثم يسقط أرضا . صرخ من شدة الألم صرخة دوت لها جنبات الغابة ..هرع إليه بعض العمال يتفقدون حاله ، كان يمسك عضده الأيسر بيده اليمنى وهو يتلوى من الألم .نظر العمال بعضهم إلى بعض عيونهم كانت تتساءل كيف سيتصرفون ، لا أحد تجرأ على مخاطبة الشاوش أو لمسه .فجأة تقدم منه رجل مسن ، كانت له خبرة بمعالجة الكسور .
قال وهو يمد يديه نحو الشاوش :
_دعني أرى
لم يجب الشاوش ،كان يئن متوجعا وهو يعض على شفته السفلى .أمسك الشيخ ذراعه .فحص موضع الألم ، وبعد دقائق معدودة ، التفت صوب الرجال وقال :
_ كسرت ذراع الشاوش .

————

كاتب الرواية عزيز أمعي

كاتب الرواية عزيز أمعي