رواية تلك الأيام – الحلقة العاشرة

azizama3iriwaya

غمرتني سعادة لا توصف وأنا أرى بيوت القرية تزداد وضوحا مع انبعاث أولى خيوط الفجر . مشكل صعب  كان في انتظاري . كان علي أن أقدم تبريرا مقنعا لأهلي حول غيابي الذي طال أكثر مما يجب .كيف سأواجه  أسئلة أهلي وخاصة أمي  التي كانت ولاشك لا تنام الليل بطوله بسبب رحيلي دون أن أخبر أحدا .استقبلني الجميع أخوتي أخواتي  بفرح غامر. أمي عانقتني وهي تبكي وتقول :

_علي ..اعتقدت أنك مت يا ولدي ولن أراك أبدا .

أدركت على الفور أن سعيدا لم يخبر أي كان أو على الأقل أهلي ، بمغامرتنا . أبي كان يجلس بعيدا عنا  يراقب بهدوء ما يحدث أمامه، كأن الشخص العائد ليس ابنه ، أو كأنني لم أغب عنه سوى ساعة أو ساعتين . كان يتأمل حفاوة استقبال أمي وأخوتي لي ،وكأن ما يحدث لا يعنيه في شيء .اتجهت إليه قبلت يده رازني بنظرة كأنها تقول :

_ أعلم أنك غامرت بعيدا ..لا مانع عندي لأني أعرف أن الرجولة تقتضي ذلك .

نبر:

_ على السلامة

_ الله يسلمك يا أبي .

وحين سمع أخوتي وأمي ينهالون علي بوابل من الأسئلة صرخ في وجه الجميع :

_ دعونا من القيل والقال .

ثم التفت إلي كأنه يريد أن يخلصني من حرج الكذب على الجميع :

_كل لك  لقمة  ..ثم اذهب لتستريح .

شكرته في نفسي .تدخله خلصني من أسئلة أمي وأخوتي ،والتي لم أكن أملك لها جوابا شافيا . قلت وأنا أنهض  :

_أريد أن أستريح.

سعيد الذي بلغه نبأ عودتي  ،هرع إلى البيت يسأل عني .وحتى لا يشك في أمرنا أحد غمزته وأنا أسلم عليه ،خشيت أن  يزل لسانه بأي هفوة .

بعد أن شكرته على الزيارة خرجت معه أشيعه  .وحين ابتعدنا عن البيت وأصبحنا في مكان آمن لا يسمعنا فيه أحد .سألني سعيد بلهفة وهو يقول :

_الحمد لله على سلامتك ..احك لي ماذا وقع ؟

قلت معاتبا :

_بل احك لي أنت يا بطل .ورطتني في مصيبة ، ثم لذت بالفرار.

قال مدافعا عن نفسه  :

_ لا لم أتخل عنك ،لقد انتظرتك حتى خشيت أن ينكشف أمري ،اعتقدت أنهم ألقوا عليك القبض ،حاولت أن أتقصى الأخبار بعدما أمضيت ليلة أخرى في ضواحي القرية لكن بدون جدوى .أدركت  أن مقامي لن يغير من واقع الأمر شيئا ،اقتنعت أنك إما مأسور أو مقتول .فعدت من حيث أتيت ولم أخبر أي كان بقصتنا .

قلت :

_خيرا فعلت .

ابتسمت وقد أدركت أن الفتى لم يكن بوسعه أن يفعل أكثر مما فعل :

_هه أحك ماذا فعلت حين اتجهت أنا لأنفذ أوامرك يا بطل .

_أنك تسخر مني ، سامحك الله .على كل سأحكي . لقد ذهبت كما اتفقنا كي أهتم بالحارس والكلاب .لكنني فوجئت بهم جميعا  مجندلين على الأرض .أدركت أن  أحدا مر قبلي وقام بالمهمة .أقفلت راجعا بسرعة كي أخبرك أن أحدهم ،خطر له ما خطر لنا،وقرر بدوره  سرقة  البيت ،لكنني لم أجدك .أدركت أنك تمكنت من الدخول . انتظرتك طويلا كي تخرج .تملكني خوف شديد وإحساس بالندم لا يوصف لأنني كنت السبب في جرك إلى تلك الورطة ، لكن ما جدوى الأسف بعد وقوع المحظور ..

حين انتهى من سرد ما عنده ، حاول جاهدا  معرفة ما حدث لي بكل تفصيل ، لكنني خيبت أمله .ولكي أتخلص من إلحاحه، نسجت له من خيالي قصة ،أدركت على الرغم من استسلامه أنه لم يقتنع بها تماما .

 سألني :

_طيب كما تشاء ، المهم الحمد لله على سلامتك .

  قلت مبتسما وأنا أربت على كتفه :

_ شكرا ..وشكرا على أنك أتحت لي فرصة خوض تجربة مهمة في حياتي .لكن المرة القادمة عليك أن تتأكد من نجاح مغامراتك قبل أن تفكر في خوضها  .  

مر  الشهر الأول والثاني ثم الثالث والرابع وأنا أنتظر أن تتصل بي زهرة  لكن دون جدوى .فكرت مرارا وتكرارا في الرحيل إليها من أجل رؤيتها ولو من بعيد ،نار الشوق إليها كانت تقض مضجعي .كل ليلة كنت أراها في منامي ، تأتيني زائرة في أبهى وأحلى هيئة وهي تبتسم لي .تمد ذراعيها الرخصين البضين كي تضمني إلى صدرها الحنون .وحين أهم بالارتماء في حضنها ،أستيقظ من منامي  فتنكسر موجة فرحي ونشوتي على صخرة الواقع ، فأبقى ساهرا حزينا  إلى أن يطلع الصبح ..ما كان يمنعني من الرحيل إليها  وصيتها بأن أنتظر إلى أن يأتيني رسولها  .وكان علي أن أصبر إلى أن تفعل  حتى لا أفسد عليها مخططها .

 أحيان كثيرة كان الشيطان يلعب بعبي ،وأقول أن زهرة ربما  قد نسيتني إلى الأبد،وأنها الآن متزوجة من ثري آخر اختاره لها أبوها  وهي  الآن تعيش معه  سعيدة، وقد نسيت أنها عرفت يوما ما شخصا اسمه علي . . لكن حين أتذكر ما كان بيننا من حب وغرام  ،وحين أتذكر أيضا دموعها الغزيرة وهي تودعني وتعدني بالوفاء والإخلاص  ، أقول لنفسي :

_مستحيل أن تنساني زهرة وتحب  شخصا غيري .

كل هذه الأفكار المتناقضة كانت تتكالب علي  بشراسة ،كلما مر الوقت وتأخر اتصال زهرة بي . بعد انصرام ستة أشهر على عودتي من ديار زهرة دون أن يصلني منها مرسول ، أو حتى خبر مهما كان يجعلني أطمئن عليها ، وأعرف ما الذي جرى لها بعد عودتي بدأت أقتنع ىأن قصتي مع تلك السيدة انتهت إلى الأبد . لكن ذات يوم  وبينما كنت أتجول في أروقة في السوق على غير هدى ،إذا بشخص  لم يسبق لي أن رأيته ، يتقدم نحوي سلم علي ثم سألني :

_هل أنت هو علي وعمر ؟

لكنته الأمازيغية ،أنبأتني على الفور أنه قادم من عند حبيبتي،لكنة أيت سادن تختلف عن لكنة بني وراين .تأملت الشخص الذي باغتني بالسؤال عن نفسي ، كان شابا في العقد الثاني  من عمره ، لم يكن يبدو عليه أثر النعمة ، مما جعلني أحدس أنه ربما يكون خماسا أو راعيا   .كان الشاب طويل القامة  ،ضامر الوجه ، بلحية سوداء قصيرة ، عيناه ضيقتان ، يشع منهما الحزم والذكاء .قلت :

_نعم ..أنا هو

ألتفت الشاب يمينا ويسارا ثم قال :

_هل لنا أن نتحدث على إنفراد ؟

سألته قائلا :

_ هل لي أن أعرف من أنت أولا ؟

ابتسم وقال :

_اسمي  موموس ،وجئتك من بني سادن برسالة إليك .

قفز قلبي في صدري ،ظنوني أصبحت يقينا .هتفت :

_من عند زهرة؟

قال موموس بهدوء غريب :

 _ما رأيك لو نتنحى جانبا في مكان نستطيع أن نتحدث فيه على راحتنا .

كنت متلهفا على سماع ما عنده .إحساس قوي أنبأني بأنه جاء يحمل البشرى  المنتظرة من زهرة .هذه البشرى التي انتظرتها ، حتى بدأت أيأس من  كثر ما انتظرتها .قلت :

_على الرحب والسعة هيا بنا .

خرجنا من السوق ، ابتعدنا عن الناس وتحت فيء  شجرة زيتون جلسنا .

قال الرجل  :

_كما أخبرتك جئت أحمل إليك رسالة من زهرة . 

دفق من الفرحة والسعادة غمرني .قلت لنفسي الحمد لله زهرة لم تنسني كما توهمت .ها هي ترسل مبعوثها ، كي يخبرني أن الأوان قد آن لكي يجتمع شملنا ونرتبط إلى الأبد .حاولت أن أتمالك نفسي ،وأنا أهيؤها لسماع من الأخبار ما يسر القلب .سألته :

_كيف هي زهرة ..هل هي بخير ..كيف حالها …

ظل الرجل ساكتا لا يجيب ،تغيرت ملامحه  .طيف كآبة سوداء خيمت على وجهه .فجأة تحولت فرحتي إلى قلق وخوف  ،شيء ما جعلني أحدس أن الرجل لا يحمل أخبارا سارة عن حبيبتي . صرخت في وجهه وأنا أراه يأبى البوح بما عنده :

_لا تقل أن زهرة  تعرضت لمكروه .

من عينيه الضيقتين  أطلت دمعة يتيمة ، يبدو أنها إنسا بت بالرغم عنه .قال وهو يشيح بنظره عني :

_زهرة  ..زهرة ماتت .

صرخت :

_ ماتت ..إنك تكذب ..أنتم تكذبون كي تبعدوني عنها .

قال الرجل بلهجة حزينة ملؤها الصدق:

_أقسم ، سيد علي بأن زهرة رحلت ..رحلت إلى الأبد.

هتفت وأنا أشعر بقلبي يكاد ينفطر بين جوانحي  :

_كيف رحلت بربك أخبرني ؟

_ماتت في المخاض .

قلت وأنا أشعر بدوار في رأسي :

_في المخاض 

_نعم ..ماتت وهي تلد

نظر إلي، نظرت إليه في مدارات الصمت المفعم بأسئلة مرتبكة ،طغى سؤال واحد ووحيد ،عجز لساني عن طرحه .أدرك الرجل ما يجول بخاطري فأجاب :

_نعم لقد كانت حاملا منك ..وضعت صبية لكن هذه الأخيرة قررت أن تتبع أمها إلى دار البقاء .قبل أن تضع مولودتها أخبرت أخت زوجها التي هي سيدتي ، بأن ما في بطنها ليس من زوجها الذي قتل. وإنما حملها كان  منك. طبعا كان من الفروض أن  يبقى الأمر سرا بين المرحومة وسيدتي . لكنها أثناء ألآم المخاض ، شعرت بدنو أجلها. فتوسلت من زوجة أخيها  وهي في لحظات النزع الأخير  ،بأن تتصل بك في حال موتها، كي تخبرك بأنها أنجبت  مولودا منك.أوصتها أيضا أن تخبرك بأنها  لم تتخل عنك ،ولم تنس وعدها الذي قطعته على نفسها بأن  لا ترتبط برجل آخر سواك  .

تنهد الفتى وقال :

_سيدتي تخبرك أن الموت هو الذي  منع زهرة  من إتمام ما اتفقتما عليه  .توفت المسكينة قبل أن تعلـم بأن الصبية التي أنجبتها  سرعان ما فارقت الحياة بدورها كأنها رفضت أن تبقى في دنيا لا وجود لأمها فيها.وهكذا لم يكن أمام سيدتي  سوى أن تنفذ طلب المرحومة ، وبما أنني كنت محل ثقتها أخبرتني بقصتها معك ، بعد أن جعلتني أقسم على كتمان السر عن زوجها وعن كل مخلوق كيفما كان  .بعد ذلك طلبت مني أن أقدم إليك كي أطلعك على الأمر .

الحقيقة أنني توقعت كل شيء ، إلا أن يأتيني نبأ نعي زهرة  .خبر موتها كان قاسيا إلى درجة أنني تمنيت لو كان بإمكاني على الفور  اللحاق بها هي وفلذة كبدي إلى دار البقاء .أحسست بالدموع تغمر وجهي كسيل جارف. كلما حاولت منعه ،ازداد انهمارا .رق موموس  لحالي .سمعته يقول :

_اصبر ياسيد علي ..القدر لا مفر منه  .لو أن الله قدر لكما الزواج ،لكان أمره مفعولا ..لكنه سبحان لم يقدر لكما أكثر مما عشتماه .فاذكرها بخير وترحم عليها ما استطعت،فإنها تسكن الآن دارا ما أحوجها فيها إلى الرحمة .

صورة زهرة ، ظلت عالقة في عقلي ووجداني ، حتى بعدما تزوجت وأنجبت وأصبح عندي بنات في مثل سنها . والآن ها أنا شيخ هرم ، لم أنسها ذكراها جرح عميق انغرس بدواخلي إلى الأبد وسيبقى كذلك إلى أن أحمل الذكرى الجميلة إلى القبر .من يدري ربما كتب لنا أن نجتمع في الدار الأخرى بعدما لم نتمكن ذلك في هذه الدنيا الفانية .

صمت الشيخ لفترة غير قصيرة ، ثم أضاف :

_أول قرار اتخذته بعد ذلك   ،أنني آليت على نفسي أن لا أقرب النشوق ما حييت . كنت كلما رأيت أحدهم يتناول  النشوق ، أتذكرها .أتذكر تلك الليالي التي قضيتها في حضنها ،تتراءى لي صورتها وهي عارية كما ولدتها أمها .تضحك بغنج وقد بلغت  النشوة منها مبلغا جامحا ،كانت تخطف من بين يدي حق النشوق ،تفتحه وهي تنظر إلي بعينين يتطاير منهما لهب غلمة مستعرة ،تصب المسحوق على مقدمة تلال صدرها الحليبي . ترسم بأناملها الجميلة ،خطا  على نهدها الشهي ، وبكل إغراء ودلال تمسك رأسي بكل عشق وحنان تدنيه من صدرها ،فأستنشق الإكسير السحري على ملمس الثدي العاجي .هذه الذكريات الأليمة كانت تدمي فؤادي .وكلما حاولت تكسير طوقها الذي يكاد يخنقني ، أجد نفسي أستسلم لها ،أتذكرها كأنما عشتها بالأمس فقط . أتذكر ابنتي التي  لم يكتب لها أن تعيش كي أراها، حرمت منها ولا أعرف في أي بقعة من الأرض وري جثمانها  .لكل هذه الأسباب هجرت النشوق وإلى الأبد لعلي أنسى زهرة،الحلم الجميل الذي ما كدت أحلمه حتى استيقظت منه مرغما .هذه ،أيها السادة ،هي قصتي مع النشوق .فهل ارتحتما حين سمعتماها .

قال قوله هذا ،ثم غطى  وجهه برداء كان يأتزر به ،كأنما كان يخشى أن يرى ميمون ولحسن هالة الحزن الدامع التي تخيم على وجهه.

ساد الصمت في أرجاء الخيمة .نظر ميمون إلى رفيقه لحسن وقد  بدا عليه  التأثر بما روى الشيخ  .لم يكن ميمون أقل منه تأثرا .ودون أن ينبس أي منهما ببنت شفة .استلقى كل في مكانه   ، راح كل واحد منهما يسترجع ،أطوار قصة الشيخ الشيقة والغريبة إلى أن هجم عليهما  سلطان الكرى .أما الشيخ فبقي يقضا يتأمل النجوم في السماء إلى أن بدأ الغسق يندحر أمام أنوار يوم جديد . 

————-

كاتب الرواية عزيز أمعي

كاتب الرواية عزيز أمعي