رواية تلك الأيام – الحلقة الثامنة

azizama3iriwaya

في المساء انتظرتها ، لم يظهر لها أثر ، بقيت ساهرا وحدي ، يمنعني الخوف والقلق من الاستسلام لسلطان النوم ، في الخارج كان صوت نباح الكلاب يشق سجوف الغسق ،كأنها تتوعد كل من سولت له نفسه بأن يقدم على الحماقة التي أقدمت عليها ، بكشف أمره ، كي يقتص منه السكان شر قصاص.
فجأة سمعت نقرا خفيفا على الباب ،انتبهت ،تساءلت هل ما سمعته كان طرقا ، أم أنني كنت واهما ، لكن صوتها ، قطع الشك باليقين :
_علي ..هل نمت
طبعا كان الليل قد اغتال أكثر من نصفه ، وكان من المفروض لولا الخوف وشوقي إليها ، أن أكون نائما منذ وقت طويل . هرعت إلى الباب ، فتحته .حين أبصرتها ، ذهب عني الخوف والحزن ،دخلت مسرعة .أغلقت الباب .قلت وأنا أتأملها بفرح طفولي غامر :
_لم أتوقع قدومك ..تأخر الوقت
ابتسمت وقالت :
_أعرف ، كان علي أن أنتظر حتى ينام أخي ، كي أنسل إليك .
سألتها:
_هل يقيم معك لوحده ؟.
_ لا..جاء هو زوجته وابنه ..طلب منه أبي أن يقيم معي حتى تهدأ الأمور .
سألتني :
_كيف قضيت وقتك ،أثناء غيابي ؟
قلت وأنا أرنو إليها بعينين تبوحان بشوقي إليها .
_الحقيقة ..كنت في أسوأ حال
تغافلت نظراتي الملتهبة وقالت :
_ كان الله في عونك ، لكن عليك أن تتجلد وتصبر إلى أن أتمكن من إخراجك بسلام من هنا .
_ سأبدل ما أستطيع من جهد، والله المعين .
رأيتها تمد يدها إلى صدرها الناهد وتستخرج ، كوزة ، ما كدت أراها حتى ، انتابتني موجة سعادة لا توصف .
ابتسمت وهي تناولني ، علبة النشوق :
_ خذ يا سيدي .
ودون أن أشكرها ، نزعت العود الذي يسد الكوزة ، أفرغت كمية محترمة على ظاهر يدي ، استنشقتها بكل نشوة ومتعة .
سمعتها تضحك وهي تقول :
_ أإلى هذا الحد كنت في حاجة إلى النشوق ؟.
قلت وكأنني لم أسمع ملاحظتها :
_كيف حصلت عليها؟
ابتسمت وقالت :
_لا يهم ، المهم أنني سأوفرها لك ، كلما احتجت إليها .
_شكرا ..شكرا
ساد صمت حنون بيننا مفعم بأحاسيس جميلة شعرت بها تتفتق بدواخلي كما يتفتق الزهر بعد رحيل الجليد. كانت تروزني بعينيها العسليتين،أتطلع إليها بين الفينة والأخرى وأنا ابتسم ،أملأ خياشيمي من المسحوق السحري تغمرني السعادة وأنا أجمع بين اللذتين ،لذة النشوق ولذة النظر في الوجه العزيز .المحيى الجميل الذي يشبه البدر وهو ملفوف في وشاح أبيض يزيده فتنة وروعة..
قالت ولون وجنتيها يزداد احمرارا ،بسبب ما قرأته في عيني من إعجاب بجمالها :
_ هه..أين تركنا الحديث ، آخر مرة .
ابتسمت بدوري وقلت :
_إذا لم تخني ذاكرتي ، كنت أريد أن أعرف منك ما الذي حدث ،بعد أن أخذتني إلى المخبأ ؟ .
_صدقت نعم هنا توقفنا .
صفنت قليلا ثم واصلت :
_حين أخفيتك في البهو،عدت بكل ما استطعت من سرعة ،كي أصل إلى حيث تركت القتيلين ، قبل أن يكسر القوم الباب ويدخلوا.وبالفعل ،ما كدت أصل حتى انكسر الباب وتدفق منه حشد من الرجال .
ذهل القوم حين وقع بصرهم على زوجي غارقا في دمائه وغير بعيد عنه المعتدي وقد فارق الحياة .
تهاطلت علي الأسئلة من كل حدب وصوب .الكل يسأل،الكل يريد أن يعرف تفاصيل ما جرى .لكن أسئلتهم كانت تتكسر على جدار صمتي .بدلت جهدا كبيرا كي أجيب على أسئلتهم وأشفي غليلهم. لكن حنجرتي أبت أن تفسح المجال للكلام كي ينداح خارجها .لعله الخوف أو ربما الصدمة بسبب تلك الأحداث المفزعة التي مرت علي بسرعة مرعبة .وربما هو عجزي على إعطاء تبرير منطقي لما جرى .قدموا لي كوبا من الماء .انتظروا أن أنبس بكلمة .لكن عقدة لساني أبت أن تنحل . سمعت أحدهم يقول :
_المرأة مصدومة ، اتركوا لها فرصة كي تلتقط أنفاسها ، ويعود إليها هدوؤها ، وعندها ستخبركم بكل شيء .
وفعلا بمرور الوقت بدأت أهدأ شيئا فشيئا ،إلى أن تمكنت أخير من التغلب على العي الذي أصابني.حكيت لهم بصدق حقيقة ما جرى .الأمر الوحيد الذي لم أخبرهم به ،هو أني أخفيتك في بيتي .انطلق العديد منهم يقتفي أثرك لعله يمسك بك .غابوا مدة غير قصيرة ثم عادوا بخفي حنين .
في الغد تم دفن زوجي والمجرم الذي سرعان ما تم التعرف عليه .
سألتها مقاطعا :
_من كان ذلك المعتدي ؟
_ إنه أحد عتاة المجرمين المعروفين بالسرقة والإجرام في منطقتنا.
قلت :
_سؤال آخر
_تفضل
_ كيف عرف أولائك الرجال بما وقع ،وجاءوا جميعا.
_الصدفة..الصدفة هي التي لعبت دورها فيما حدث .
_كيف؟
ابتسمت ، وقالت:
_ أحد إخوتي الذي وضعت زوجته الحامل تلك الليلة هو من كان وراء اكتشاف الأمر .أخي المسكين الذي لم تنجب زوجته سوى ثلاث بنات .رزق أخيرا وفي ليلة الحادث بمولود ذكر. ومن فرط فرحته خرج كالمجنون يخبر جميع أفراد عائلته .وحين بلغ بيتي اكتشف مقتل الحارس والكلاب . فهرع يصرخ مستغيثا بالجيران ..
قلت :
_هه..وماذا وقع بعد ذلك ؟
_ استدعاني أمغار فذهبت إليه استمع إلى أقوالي مجددا أمام الشهود الذين حضروا تلك الليلة .وبعد أن أعدت على مسمعه الحكاية من أولها إلى آخرها ،شكرني ثم طلب مني العودة إلى بيتي .اقترح علي أبي العودة معه إلى منزله .لكنني رفضت لم يكن بالإمكان أن أتخلى عنك وحيدا في بيتي ،كما أنه لم يكن بمقدوري أن أدعك في القبو ،أنت الذي يعود إليك الفضل في بقائي حية إلى اليوم .أما م إصراري على البقاء .طلب والدي من أخي وزوجته الإقامة معي .زوجة أخي سيدة طيبة تبادلني الود وأبادلها نفس المشاعر .أخبرتها عنك ووعدت أن تكتم سري وتساعدني في إخراجك من هنا حين تحين الفرصة .
توقفت عن الحديث ،كأنها شهرزاد انتهت و من سرد حكاياتها العجيبة ، ابتسمت ثم قالت :
_ها أنا يا سيدي قد رويت لك كل ما حدث بالتفصيل الممل .
ابتسمت بدوري وقلت :
_صدقت ،لكن هذه التفاصيل غير مملة
ولأمازحها أكثر أضفت :
_ ثم من يتقن فن التفاصيل أكثر من النساء.
ضحكت هذه المرة وقالت :
_ آه منكم أيها الرجال .
ضحكنا معا ، ضحكتها ، كانت تكشف عن روح مرحة ، لامرأة لازالت الطفولة عالقة بإيهابها .كانت روحها المرحة كطائر الفنيق قد بدأت تنتفض من رمادها . نعم كانت كطائر أسير وضع في قفص جميل ،لمدة غير قصيرة . فجأة وجد الباب يفتح على حين غرة ، فخرج متسللا منه وهو لا يصدق أنه قد أصبح حرا طليقا.
سألتها :
_ هل أنت حزينة .
أجابت :
_ على نفسي نعم ..أشعر أن كل شيء مر في حياتي بسرعة.تزوجت بسرعة ، ترملت بسرعة ،ولا أدري ما الذي يخفيه المستقبل من مفاجآت .
تأثرت لحزنها ،وقلت لأخفف عنها :
_ تعرفين من هو أسعد الناس .
ابتسمت وقالت :
_ من أيها الحكيم ؟
أطربني قولها.أجبت :
_من لا يأسف على الماضي ، ولا يحفل بالمستقبل .
_وهل يوجد مثل هذا الشخص ؟.
قلت :
_كثير ، لن أتبجح وأجازف بالقول أنني أحدهم ، لكن أنظري إلى حالي ،ها أنا مسجون في بيتك . أبسط خطأ قد يعرض حياتي للخطر ، لكن على الرغم من كل هذا، لا أفكر في المستقبل .أو لأكون صادقا معك ، أحاول أن لا أفكر فيه . وما يساعدني على النجاح في مسعاي ، هو وجدودك إلى جانبي .معك أشعر بالأمان على الرغم من الخطر المحدق بنا معا ، وفي غيابك لا أشك أنني عالق في فخ أتوقع كل لحظة أن ينطبق علي ويخنقني .
أطرقت وهي تسمع كلامي طغى لون الجلنار على خديها الشهيين .ساد صمت بيننا ، كنت أنظر إليها بحنان غريب ،شعرت في تلك اللحظة أنني كنت أعرف زهرة منذ زمن بعيد ، أدركت لحظتها أن لقائي بها كان مخططا له منذ الأزل ،كان قدرا مقدورا لا مفر منه .مشاركتي في مخاطرة سعيد ، لم تكن سوى سببا كي ألتقي بهذه الحسناء الرائعة ، هذه الفاتنة التي جعلتني متيما بها ،مستعد لتقديم رقبتي فداء الاستمرار في رؤيتها والحديث معها.
طال الصمت بيننا ،شعرنا بانتشاء غريب ،ونحن جالسان بقرب بعضنا البعض تطوقنا الهدوء والسكينة. لا نتكلم كأن الكلام فقد قدرته على التعبير عما يجيش بدواخلنا أو بدواخلي على الأقل . كان الصمت في تلك اللحظة أقوى وسيلة للتعبير سعادة عجيبة كانت تغمر فؤادي لم أدق طعما يماثلها من قبل .
فجأة سمعتها تقول :
_ علي الذهاب .سأتركك الآن إلى الغد أنشاء الله .
أردت أن استبقيها قليلا ،لكن كلانا كان يعرف أن عليها أن تعود إلى مخدعها ،قبل أن يستيقظ أخوها ،الذي قد يبحث عنها إذا اكتشف غيابها ..
قبل أن تغلق الباب همست بصوتها الموسيقي :
_تصبح على خير .
في عينيها لمع بريق ، جعل قلبي ينط في قفصي الصدري . هذا البريق لم ألمحه سابقا ، كان قبسا يبشر بعودة الحياة والأمل وربما انبثاق عاطفة جميلة في قلب هذه الحسناء التي لم تجرب الحب من قبل ..
قلت وكأنني أريد أن أتكد من ظنوني :
_ سأشتاق إليك
لم تجب ،ابتسمت فحسب ، لكن بريق عينيها كان أقوى هذه المرة .أغلقت الباب ببطء ثم اختفت كأنها لم تكن معي قط .

————

كاتب الرواية عزيز أمعي

كاتب الرواية عزيز أمعي