رواية تلك الأيام – الحلقة السابعة

azizama3iriwaya

قلت مستغربا:
_من أين لك العلم بأحوالهم ؟
_من أبي كان حين يذكر قبائل بني وراين ،يذكر أيت عبد الحميد كأشرس قبيلة فيهم .
قلت مبتسما :
_وماذا ذكر أيضا عنهم ؟
قالت دون أن تفقد جديتها :
_قال بأن شراستهم جعلت لهم هيبة بين القبائل ،إلى درجة أن كثيرا من أفراد قبائل أخرى حين كانوا يتعرضون للاعتداء من قبل عصابة من العصابات أو قبيلة من القبائل الأخرى ،يخبرون المعتدي كذبا أنهم ينتمون لقبيلتكم ،فيكف عنهم المعتدون خوفا على أنفسهم من ينالهم انتقام رجالكم .
قلت وأنا لا أزال أبتسم :
_ جعلتني أخاف من قبيلتي .
ابتسمت بدورها وقالت:
_من المفروض أن أخاف أنا لا أنت، ألم تأت للاعتداء علي .
قلت بصدق :
_صحيح …
قاطعتني بضحكة لذيذة :
_سبحان الله ،من جاء يعتدي علي هو من أنقذ حياتي .
_نعم لله في شؤونه حكم لا يعلمها إلا هو .
وكأنها لم تسمع قولي .سألتني السؤال الذي كنت أنتظر:
_ والآن أخبرني حقيقة أمرك .
قررت أن لا أكذب عليها ،وفي جمل قليلة أخبرتها بقصتي منذ أن اقترح علي سعيد القدوم إلى هذه الأرض للسطو على بيتها ،إلى أن وقع ما وقع .
سألتها وأنا أتذكر سعيدا :
_هل لديك أخبار عن صديقي ؟
_لا ..كل ما أعرف أن الرجال الذين جاؤوا .وجدوا الحارس مقتولا خارج البيت ،هو وكلاب الحراسة .
أضافت بعد صمت قصير :
_يبدو أن صديقك ،وحسب ما ذكرت ذهب ليتكلف بالحارس ، لكنه وجد غيره قد أجهز عليه .ففر عائدا من حيث أتى .
قلت لها مدافعا عن صديقي :
_لا .. لا أظن أن صديقي قد يجبن ويتخلى عني بهذه السهولة .أظن أنه ظل مختبئا و حين سمع قدوم الرجال .ابتعد عن مسرح الجريمة حتى لا ينكشف أمره . انتظرني وحين رآني لم أخرج إليه من البيت .عاد من حيث أتى .
قالت :
_ربما
_لا أشك في ذلك .
صفنت لحظة قصيرة ثم قلت :
_هل لي أن أسالك بدوري عن قصتك .
قالت :
_ما الذي تودين أن تعرفيه
_كل شيء ..كل شيء .
تغيرت ملا مح وجهها ، مسحة من الحزن خيمت على تقاسيم المحيى الجميل،حولت بصرها عني وطفق تحكي :
_اسمي زهرة كما أخبرتك ،أبي رجل فقير يشتغل خماسا عند أغنياء القبيلة الذين يملكون الكثير من الأراضي كحال زوجي المتوفى .رزق هذا الوالد بولدين وأربع بنات أنا أصغرهن، زوجهن جميعا لفقراء مثله .بقيت مع أبي مدة إلى أن رآني ذات يوم زوجي الذي كان يشتغل أبي في أرضه .فهام بي عشقا وقرر أن يتزوج بي على الرغم من أن له زوجتين قبلي . أبي الذي رأى في هذه الزيجة فرصة للخروج من وطأة فقره المدقع ،وافق على طلب الثري الذي تقدم لخطبتي، دون أن يلجأ إلي في أهم قرار في حياتي .الطمع والمال الذي وهبه إياه كمهر لي ،جعل الوالد سامحه الله يبيعني كما تباع البهائم في السوق .
تزوجت الرجل الذي كان في سن والدي .خصص لي هذا البيت بعيدا عن زوجتيه وأولاده ،الذين ثارت ثائرتهم غضبا حين علموا بالأمر .لكنه لم يكن بوسعهم أن يقفوا في وجه أبيهم الذي كان نفوذه قويا فيهم .
منذ اللحظة الأولى التي وقع فيها بصري على الرجل الذي سيصبح زوجي، شعرت اتجاهه بنفور غريب ،وهو في تقديري أمر طبيعي لأنه كان في سن والدي ،لم يكن من سهمي ولم أكن من سهمه .وزاد مقتي له ،حين رأيت تعامله معي .كان يعاملني معاملة السيد لجارية اشتراها من سوق النخاسة .قضيت معه سنتين لم أحس فيها يوما أنني زوجته .كنت لا أختلف عن الأشياء الموجودة في بيته، يستعملها حين يشاء تم يهملها بعد ذلك.كانت أشد الأوقات مرارة على قلبي، هي تلك اللحظات الحميمة التي كانت تجمعني به .كنت أشعر في تلك الخلوة الشرعية كأنه يغتصبني .جسده المترهل البارد كقطعة ثلج ، كان يرعبني يشعرني بالغثيان .لمساته،همساته ، أنفاسه اللاهثة لأدنى مجهود تجعلني أكاد أصرخ من الاشمئزاز. لو أن اللص الذي اقتحم البيت تلك الليلة ،اقتصر على الإجهاز على زوجي ، كنت سأمنحه كل ما يريد دون ممانعة .لكنه قرر أن يتخلص مني أيضا و لولا أنك تدخلت وأنهيت الأمر لصالحي لكنت الآن في القبر إلى جوار زوجي .
غلبتها العبرات ومن عينيها النجلاوين انفجر نبع من اللؤلؤ الصافي يروي الخدين الأسيلين .تمنيت لو كان بإمكاني أن أقوم وأطوقها بذراعي .أمسح خديها الورديين .أضع رأسها الجميل على صدري .وأهمس لها بعطف :
_دعي البكاء يا جملتي ،ما وقع قد وقع ،وكل شيء مقدر ومكتوب .
لكني بقيت جامدا في مكاني أنظر إليها كمن ينظر إلى أيقونة لا يمكن لمسها مخافة أن تنكسر .ساد الصمت ،تركتها تسترد أنفاسها ،وحين هدأت ،قلت لها مبتسما :
_على كل ها أنت تستعيدين حريتك ،و أنت شابة والمستقبل لا يزال أمامك كي تبدئي من جديد .
_ لا أعتقد أن ما انكسر سيصلح أبدا .
_لا تكوني متشائمة ، الأيام ستريك أن كل شيء ممكن .
تنهدت وقالت :
_ من يدري ربما يكون رأيك على صواب .
قررت أن أغير موضوع حديثنا فسألتها :
_معذرة ..أريد أن أعرف ما الذي حدث بعدما سمعنا أنا وأنت الطرق على الباب .
قالت مبتسمة :
_ يبدو أنك تريد أن تعرف كل شيء الليلة ، لقد أخذني الوقت ، لا أستطيع البقاء أكثر .لقد تأخرت
نبرت :
_لا يمكنني البقاء في بيتك أكثر ..ساعديني على الرحيل .
_لا .. لا يمكن البيت مراقب بشدة .
_ما العمل أذن ؟
_الصبر ..عليك أن تصبر حتى أجد وسيلة أخرجك بها ،والآن إلى اللقاء .
قلت بلهفة :
_متى ؟
ابتسمت ، وقالت :
_ حين تسمح الظروف .
بقيت وحدي في الغرفة أفكر في زهرة ،حضورها خلال غيابها ،لم يكن أقل قوة من حضورها الفعلي .وجدت نفسي ،استرجع حديثها العذب معي ، كنت أتساءل هل حقا كانت هنا ،ماثلة أمامي بكل جمالها وفتنتها التي أسرت فؤادي ، أم أنني كنت أسبح في يم حلم لذيذ، استيقظت منه فجأة لأجد نفسي معزولا وحدي في هذه الغرفة دون رفيق أ و أنيس.
في الغد مر الوقت رتيبا ثقيلا ،انتظرت زهرة لكن غيابها طال ، أو هكذا تهيأ لي .أصبحت فريسة للهواجس والمخاوف تنهشني بلا رحمة . عند كل حركة أو نأمة كان يخيل إلي أن القوم قد اكتشفوا أمري ، وأنهم قادمون نحوي ليضعوا حدا لحياتي .
بعد الظهيرة ، سمعت طرقا خفيفا على الباب ، توفزت أعصابي ، بقيت رابضا في مكاني لا أتحرك ، فجأة سمعت صوتها ، يقول :
_ أنا زهرة ، افتح
نهضت مسرعا ، وقد غمرت الفرحة قلبي واندحرت جيوش الخوف والقلق التي كانت تحاصرني .فتحت الباب ،رؤيتها أذهبت الحزن عني ، كانت تحمل بين يديها سفرة عليها منديل أبيض .قالت وقد أشرقت ابتسامة رائعة في سماء محياها الصافي :
_هل أفزعتك ؟
_ الصراحة نعم .
مدت السفرة ، قالت :
_ لا أستطيع الدخول ، إنهم ينتظرونني
نبرت جزعا :
_من ؟
_أخي يقيم معي الآن ، وقد خرج ليقضي بعض مآربه وسيعود فورا .
سألتها بقلق :
_ومتى أراك ثانية
قالت وهي تغادر :
_لا أدري ..حين تسنح الفرصة .
ترددت قليلا وقلت :
_ هل ممكن أن أطلب منك طلبا
_تفضل
_هل ممكن أن تزوديني بقليل من النشوق ، انحرمت منها منذ أن جئت إلى هنا ،صداع مخيف يهصر رأسي ،وأنا …
قاطعتني :
_ لا أعدك بشيء لكن سأحاول أن أتصرف .
اختفت ،كأنها شبح ،تبخر في سديم العدم .عدت إلى غرفتي ،أغلقت الباب خلفي ،جلست ،وضعت السفرة أمامي ،لم أكشف عن محتواها .طفقت أتساءل ترى كيف ستنتهي هذه المغامرة .فكرت في وسيلة للهرب ،لكني خشيت أن تفشل الخطة . عندها ينكشف أمري وأعرض حياة زهرة للخطر.قررت أن أنتظر إلى أن تمكنني هي من الخروج بسلام من هذا المطب.

——————-

كاتب الرواية عزيز أمعي

كاتب الرواية عزيز أمعي