رواية تلك الأيام – الحلقة السادسة

azizama3iriwaya

كان سعيد حكيما بقدر ما كان لصا ، وكان يعشق النشوق إلى حد الهوس. أنا كنت أتعاطها لكن دون مبالغة . مع المدة وبحكم معاشرتي لهذا الفتى الجسور أصبحت بدوري مدمنا على المسحوق العجيب .
ذات يوم اتصل بي سعيد همس في أدني :
_لدي مشروع سطو، هل عند ك استعداد كي ترافقني ..
قاطعته :
_قريب أم بعيد
_ أربع ساعات على الأقدام ؟
_أين ؟
_ قبيلة بني سادن
سأكون كاذبا إذا قلت أنني لم أشعر بالرهبةحين سمعت اسم القبيلة .القبيلة معروفة بهيبتها ، وهي تقع على مسافة بعيدة عن ديارنا . كما أنه لم يسبق لي أن شاركت في عملية سطو في مثل هذاالبعد .لاحظ سعيد شرودي وترددي فقال :
_ماهذا الجبن؟ .
انتفضت أربكني النعت قلت دون تفكير :
_ لست جبانا ..لكن المنطقة بعيدة
_ نعم ولهذا أريد مساعدتك
حاولت أن أتراجع عن قراري ،لكن خشيت أن ينعتني بالجبن مرة أخرى.سمعت نفسي أقول :
_موافق ..لكن أخبرني لماذا بني ساد ن بالضبط ؟
_غدا نلتقي في مثل هذا الوقت وأخبرك بالتفاصيل .
قال هذه الجملة ثم اختفى كأن الأرض ابتلعته .في الغد إلتقينا خارج القرية ،أخبرني أن أحد معارفه حدثه بشأن رجل ثري من أثرياء البلدة.يعيش لوحده مع زوجته الشابة التي تزوجها حديثا .يزورها بين الفينة والأخرى .العملية في تقديره ستكون سهلة ومضمونة ،لأننا سنقوم بالعملية في غياب الزوج .
سألته :
_ومن الذي يقيم مع الزوجة في غياب الزوج؟ .
_خادمة
قلت مازحا:
_يبدو أنك تملك المعطيات كاملة .
_أمر طبيعي مهنتنا تتطلب ذلك .
بعد دراسة التفاصيل ،حددنا توقيت القيام بالعملية .في الميعاد المحدد إلتقينا .كان الظلام قد بدأ يرخي سدوله حين ابتعدنا عن القرية .بعد عدة ساعات من السير اقتربنا من ديار بني سادن .قرر سعيد أن ننتظر إلى الهزيع الأخير من الليل كي نتصرف .
كان السير قد أضناني مما جعل النوم يراود جفوني،فجأة لكزني سعيد قائلا :
_هيا
نهضنامعا .حاولنا قدر المستطاع التحرك بسرعة لكن بهدوء .سرنا لمدة نصف ساعة تقريبا .بدأت أسمع صوت نباح الكلاب يدنو .أشباح البيوت بدت تتراقص أمام عيني .فجأة وقف سعيد ثم قال :
_هنا
همست :
_أين ؟
_هذا البيت أمامك .
نظرت إلى حيث أشار فبدا بيتا غير واضح المعالم، كأنه حيوان أسطوري جاثم يحلم في سباته .العتمة كانت شديدة ، القمر كان متواطئا معنا فيما كنا مقدمين عليه .
حين أصبحنا قاب قوسين أو أدنى من البيت .توقفنا سألت سعيدا عن خطته لدخول البيت .صدمني حين قال :
_ أنت ستدخل لوحدك و..
نبرت مقاطعا :
_لماذا أنا ولست أنت أيها الحكيم
قال موضحا :
_اسمع لقد انتدبتك للعملية السهلة .المرأة لوحدها في البيت .سترعبها بهذا السكين ،ومد نحوي سكينا كبير الحجم لاأدري من أين اقتناه .
فزعت وبقيت أنظر إلى المدية الصقيلة كالأبله ..
أمرني بحزم :
_هيا خذها .
أمسكت السكين مرغما.تطور الأحداث فاجأني كنت أعتقد أن مستوى مساهمتي في هذه العملية لن يتجاوز مهمة المراقبة، في حين يتكلف سعيدبإنجاز الباقي .لكن هاهو يأمرني بالقيام بالعملية التي من المفروض أن يقوم بها هو على اعتبار أنه صاحب الفكرة والمخطط لها .
وكأنه كان يقرأ ما يجول بين تلا فيف دماغي ،فقال :
_اسمع أنا سأتكلف بالكلاب والحارس . وقد أضطر لخوض نزال معه .لقد فكرت في جسامة هذه المشكلة .لذا قررت أن أكلفك بالمهمة اليسيرة .وعلى كل إذا أردت أن تأخذ مكاني فأنا على استعداد لأن أتنازل لك عنه ..
وبعد تفكيرغير طويل وافقت على الاقتراح الأول. اقتنعت أن سعيدا كان على صواب .المهمة التي كلفني بها أسهل من مهمته ،لم أكن مستعدا لأن أخوض أي عراك غير مضمون النتائج مع حار س البيت .قلت لنفسي سأحاول دخول البيت وأسرق ما تطاله يداي .وبقليل من الحظ قد أوفق إلى سرقة سيدة البيت دون أن تنتبه إلي ، حينها سأكون وفقت في مهمتي دون مشاكل .
قال سعيد :
_ماذا قررت ؟
نبرت :
_طيب ، سأدخل إلى البيت
_ حسنا هيا بسرعة وبحذر.
انطلقت وأنا أدعو الله أن يستر .ابتسم الشيخ وهو يقول :
_هل سمعتم هذا ؟ذاهب كي انهب وأطلب من الله أن يستر .
ابتسم ميمون ولحسن ولم يعلقا على ملاحظته،في حين واصل الشيخ حكايته قائلا:
_ماكدت أدخل من أول نافذة تمكنت من معالجتها بسكيني الكبير .حتى سمعت صوت امرأة تطلب النجدة .أسقط في يدي، نظرت من خلف الحائط فرأيت رجلا مجندلا على الأرض ، و سكين مغروس حتى النصل في صدره وقد تشكلت بقعة من الدم القاني إلى جواره .المهاجم الذي خشي أن يفضحه صراخ المرأة انقض عليها وبكلتا يديه راح يضغط على عنقها . ما لمحته من المرأة فتنني ، هالة شعرها الحريري المنسدل خلفها كشلال أدهم ، ولون بشرتها العاجي الأخاذ، جعلني أنسى خوفي والموقف الخطيرالذي وجدت فيه نفسي .. .استغاثة المرأة كانت استغاثة إنسان يئس من الحياة ، أثر في صوت السيدة وهي تصارع الموت . صدقوني إلى اليوم لاأدري كيف أسرعت نحوها ،أمسكت الرجل من كتفه إلتفت إلي مشدوها وقد باغتته المفاجأة ، وبكل ما اختزنت ساعداي من قوة غرزت الخنجر في صدره ،صرخ ثم هوى إلى الأرض وقد فارق الحياة .
لم تصدق المرأة أنها نجت ، أدركت أنني لست مع الجاني ،إذ كيف أكون معه وأقتله ، لكن سؤال نبق في عينيها سرعان ما صدح به صوتها العذب :
_من أنت ؟
نبرت مرتبكا :
_ أنا ..
_ نعم أنت .
وقبل أن أجيب ،ارتفعت عاصفة من أصوات تنادي وأيدي تطرق الباب بكل عنف .
_سي بوكرين ..سي بوكرين ..هل أنت بخير ؟
قلت في نفسي جاءك الموت ياتارك الصلاة .ارتعدت فرائصي ،المرأة الشابة أظهرت شجاعة غير متوقعة ،سحبتني من يدي وهي تقول :
_اتبعني
استجبت لأمرها دون أن أدري إلى أين تقودني . كان جليا أن المرأة تريد أن تنقذ حياتي كما أنقذت حياتها .قطعنا دهليزا مظلما .بغتة توقفت، جلست القرفصاء، رفعت من على الأرض قطعة خشبية متوسطة الحجم ، كانت قطعة الخشب عبارة عن باب لدهليز تحت الأرض . أشارت بيدها :
_هيا انزل وبسرعة .
لم أدعها تكرر الأمر مرتين .نزلت عبر سلم حديدي وقبل أن تطأ قدماي الأرض .شعرت بها تغلق الباب الخشبي وتهرع عائدة من حيث أتت .بقيت وحدي غارق في ظلام دامس لا أرىشيئا.طفقت أتحسس محتويات المكان كالأعمى .وقعت يدي على بعض أكياس القمح .طرحت إحداها أرضا ثم جلست عليها . وأمام عيني الغارقتان في العتمة، رحت أستعيد شريط الأحداث من بدايتها إلى أن أتت بي صاحبة البيت إلى هذا المستودع المظلم .
بقيت في مكاني طيلة الليل ،في الصباح بدأضوء ضعيف يغمر المكان ، أدركت أن الليل قد انجلى ، وأن نهارا جديدا قد هل بأنواره على الكون .قضيت يومي كله دون أكل أوشرب ، لكن أيا من الجوع أو العطش لم يخطر ببالي ، خوفي على حياتي هو كل ما كان يشغل بالي . نعلت اليوم الذي أدعنت فيه لسعيد ووافقت على مرافقته في هذه المغامرة التي أصبحت نتائجها تهدد حياتي .في المساءوحين عاد الظلام يحجب الرؤيا ، فتح الباب فجأة .سمعت صوت المرأة يقول:
_اصعد .
صعدت قدمت لي صحنا فيه طعام وشمعة وكبريت
قالت :
_عدإلى مكانك.. لا تستعمل الشمعة إلا للضرورة .
قالت كلامها بسرعة تم أغلقت الباب فوق رأسي وغابت كأنهاطائر نزل لفراخه بالطعام ثم عاد ليحلق في الأجواء العليا .
وأنا أتناول طعامي كما أمرتني السيدة على ضوء الشمعة .سمعت نباح كلبين في صحن البيت .فجأة انتبهت لأمر أغفلناه أنا وسعيد حين دنونا من البيت لنقتحمه .تذكرت جيدا أننا لم نسمع صوت نباح أي كلب بجوار البيت .مع العلم أنه لايوجد بيت في منطقة بني وراين كلها لايتوفر على الأقل على كلب أو كلبين للحراسة .لوكان أحدنا انتبه إلى هذا المعطى آنفا، ربما كنااستنتجنا أن أحدهم سبقنا بالسطو على البيت ، عندها كنا أخذنا مزيدا من الحيطة والحدر ، وربما عدلنا عن عملية السطو برمتها .لكن كما يقال حين يحين القضاء يضيق الفضاء .
قضيت في معتقلي المظلم ثلاثة أيام متتالية خلتها ثلاثة شهور.كانت المرأة تأتي بين الفينة والأخرى .تفتح الباب تزودني ببعض الطعام .وقبل أن تختفي تحثني على الصبر .في اليوم الثالث جاءت السيدة في وقت متأخر من الليل كانت تحمل فانوسا في يدها.فتحت الباب ظننت أنها جاءت لتتفقدني كالمعتاد ثم ترحل من جديد . كنت قد قررت أن لاأسمح لها بذلك مهما كان . عزمي على الخروج من هذا القبو المعتم كان لا رجعة فيه ولو كان في ذلك حتفي .لكن المرأة بعدما أطلت بوجهها الجميل ،ذلك الوجه الفاتن الذي كان قدأسرني بسحره و أخذ بمجامع قلبي على الرغم مني ..أشارت إلي بابتسامة فاتنة بأن أخرج من مخبئي .خرجت وأنا غير مصدق أنها قررت الأفراج عني .
قالت :
_اتبعني
سرت خلفها وأنا أجهل مايدورفي رأسها الجميل .سرنا جنبا إلى جنب لبعض دقائق .وقفت أمام باب منعزل .فتحته ،دخلت كان يبدو عليها الهدوء هذه المرة أكثر من المرات السابقة.طلبت مني الدخول ففعلت .كانت الغرفة صغيرة .يبدو أنها كانت مهجورة لمدة طويلة .لم يكن فيها سوى حصير عتيق ،عليه بعض الأفرشة مما تمكنت السيدة من توفيره على عجل .
قالت مبتسمة وكأنها كانت تقرأ أفكاري :
_ عذرا ، هذا ما سمحت به الظروف .
لكنتها وطريقة كلامها زادتني إعجابا وافتتانا بها .جلست ،جلست بدوري قبالتها .كانت ترتدي ثوبا أبيض اللون وعلى رأسها خمار أبيض .طبعا لون الحداد على زوجها المتوفى .بعد صمت غير قصير . ربما هي أيضا استغلته لتتأملني جيدا .سألتني :
_ ما اسمك ؟
همست :
_علي
سألتها :
_وأنت ما اسمك ؟
_زهرة
قلت في نفسي ، نعم أنت زهرة ، بل أجمل زهرة رأيتها في حياتي ، سمعتها تقول :
_من أي قبيلة أنت ؟
_ ورايني
_خمنت هذا من لكنتك .ومن أي قبيلة من قبائل بني وراين .
_من قبيلة أيت عبد الحميد .
هزة رأسها وعلى ثغرها الكرزي طيف ابتسامة ،ثم قالت :
_قبيلة الشجعان الأشاوس.

—————

كاتب الرواية عزيز أمعي

كاتب الرواية عزيز أمعي