رواية تلك الأيام – الحلقة الخامسة

azizama3iriwaya

على مشارف القرية ومن الجهة الجنوبية بالضبط تبدأ مقدمة جبال الأطلس المتوسط، جبل تزكه يقف في شموخ كهرم عجيب وهو يطل من بعيد على الروابي والسهول. يتأمل الأمداء بحكمته الأزلية التي صقلتها آلاف بل ملايين السين.

غابته الكثيفة أصبحت ملجأ آمنا لأولئك الذين رفعوا راية العصيان، رافضين الاستسلام للأمر الواقع والقبول بالغزو الفرنسي كواقع لا مراء فيه، وإذا كان هؤلاء قد  تمردوا على المحتل وقاوموه بكل حزم وقوة، فأن فئة ثانية، وهم السواد الأعظم من السكان، استسلموا لأن لا حول لهم ولا قوة في مواجهة جيش مجهزا بأعتى السلاح والعتاد، الفئة الثالثة وكانت تحسب نفسها الأذكى، استقبلت المحتل بالخنوع  والترحاب، وجد ت فيه فرصة لتحقيق شرهها في النيل من أهلها ونهب ممتلكات الغير ظلما وعدوانا، مقتنعين كل الاقتناع أن الاستعمار الفرنسي جاء ليبقى، ولن يرحل إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وأن هؤلاء الذين اختاروا سبل المقاومة واهمون كل الوهم،لأنه لا توجد قوة قادرة على دحرالفرنسيين  وطردهم من هذه الأرض التي احتلوها.

وإذا كان الفرنسيون قد أحكموا السيطرة على السهول والوهاد، فإن جيوب المقاومة التي تعتبر الجبال مقرا لها، ظلت على الرغم من قوة العسكرية للفرنسيين تقض مضجع هؤلاء وتمنعهم من الإحساس بالأمن والأمان، الفرنسيون الذين كانوا يعتدون بقوتهم العسكرية المتطورة، سخروا كل أسلحتهم البرية والجوية للقضاء على الخطر الذين كان يشكله الثوار عليهم، لكن كل ترسانتهم العسكرية لم تؤت أكلها، وبقيت حركة المقاومة نشطة، تهجم على القوافل العسكرية، وتنكل بالموالين للفرنسيين، تختفي حينا ثم تعود للضرب بقوة حينا آخر، أسلوب حرب العصابات أصبح سهم أخيل الذي كان يدمي كعب الفرنسيين، دون أن يتمكنوا من بتره بشكل نهائي.

الفرنسيون لم يستسلموا وضعوا نصب أعينهم هدفا أساس وهو السيطرة على الجبل بأي ثمن، خططوا لذلك من خلال توجيه حملات عسكرية عديدة لمواجهة المقاومين، هذه الحملات عززت بغارات جوية دمرت الأخضر واليابس لكنها لم تفلح في تحقيق النتائج المرجوة، الفرنسيون فوجئوا بالمقاومة الشرسة والشجاعة التي أبان عنها الثوار والتي خلفت في صفوفهم خسائر جسيمة في العتاد والأرواح، هذه النتائج السلبية جعلت الغزاة يفكرون في شق الطرق بين ثنايا هذه السلسلة الجبلية الوعرة، لعلهم  يتمكنون من  ملاحقة الثوار وإخماد حركتهم بشكل نهائي، أو على الأقل محاصرتهم وتضييق الخناق عليهم حتى  يرفعوا راية الاستسلام.

هذا النهج لم يكلف الفرنسيين الكثير، فالموارد الطبيعية موجودة، واليد العاملة وفروها بدون مقابل من خلال سن عرف جديد أطلقوا عليه مداومة الأربعة أيام، هذا المخطط فرض على الساكنة التطوع  بالإكراه للعمل بدون مقابل في ورش من الأوراش التي افتتحها الفرنسيون، من أجل نهب خيرات البلاد، ومطاردة المقاومين.

العمال الذين كان يتم استغلالهم في هذه الأوراش، كانوا يشتغلون تحت إمرة مجموعة من الشواش   سخروا لمراقبة سير العمل في الأوراش، هؤلاء الشواش الموزعون في مختلف القرى،ينحدرون في الغالب الأعم من أصول وراينية، وهم  أشخاص  يدينون، خوفا وطمعا، بالولاء للفرنسيين.

طبعًا عملية الاختيار كلف بها الفرنسيون القواد، على اعتبار أن أهل مكة أدرى بشعابها وببشرها، بالنسبة للقرية، وقع اختيار القائد على شخص يدعى اعتابو، تبوؤ هذا الأخير لهذا المنصب، نسجت حوله حكايات آثمة، هذه المزاعم التي كانت تروى بكثير من الكتمان، كان مفادها أن القائد تربطه علاقة غرامية بزوجة الشاوش الفاتنة.

شظايا ما يدور على ألسنة الناس في القرية كان أحيانا ينتهي إلى مسمع القائد، لكنه كان يغض الطرف عما يقال، لأنها صادرة عن رجل القرية، ورجل القرية بالنسبة للقائد إنسان ضعيف لاخوف منه على الإطلاق، القائد وباستثناء السلطات الفرنسية لا يقيم وزنًا لأي كان، هو يعلم مدى بطشه وقوته، هذا البطش والقوة يعرف تأثيرهما الذي يزرع الفزع في القلوب بحيث لا يجرؤ أي كان على قول ما يفكر فيه علنا، أما في الخفاء فالأمر لا يهم، إذ  يمكن لأي كان أن يحدث نفسه بما يشاء، مادام الأمر لا يتجاوز حدود مناجاة النفس والتخفيف عنها، القائد طبعًا يملك عيونا وآدانا تحمل له كل ما يهمس به الناس في الخفاء، يدع الناس يتهامسون ويلغون كما يشاؤون، لأن لغوهم يخدم هيبته، لكن إذا ما بلغه قول يستحق صاحبه التأديب، فأنه لا يتورع عن تأديبه بطرق ووسائل خاصة دون أن يكتشف المعني بالأمر  السبب الذي جر عليه غضب القائد.

اختيار القائد للشاوش اعتابو والذي تحكمت فيه ظروف معينة كما أسلفنا، كان اختيارًا موفقًا بالنسبة للقائد والسلطات الفرنسية على حد سواء، ذلك أنه ما كادت تمضي شهور قليلة على تعين اعتابو  في منصبه الجديد حتى تحول هذا الشخص الخامل الذكر في قريته إلى أشهر شاوش في منطقة بني وراين قاطبة. شهرته التي طفقت الأفاق، بناها على قسوته وبطشه بالعمال ممن ساقهم حظهم العاثر لقضاء فترة الأربعة أيام في الورش الذي يشرف عليه.

منذ الساعات الأولى من النهار، وقبل أن ترسل الشمس أشعتها الذهبية، يكون العمال قد التحقوا بمقر العمل، صراخ الشاوش اعتابو ومعاونيه وهم ينادون على العمال بأسمائهم فرداً فردًا حتى يتأكدوا من حضور الجميع، كان يشق إيهاب الغسق قبل طلوع الفجر، يهرع الجميع مخافة أن يتأخر أي منهم فيعرض نفسه للعنف والتقريع، يصطف الرجال أمام الشاوش اعتابو ينظر إليهم بتعالي من أعلى صهوة فرسه الأشهب. وبعد أن يتأكد أن الكل حاضر.يصرخ في وجه الجميع :

-         هيا إلى العمل

ينتشر العمال على طول الطريق، يحملون أدوات العمل ويشرعون في الحفر وكسر الحجر الصلد. العمال كانوا من أعمار متباينة. أصغرهم لم ينه عقده الثاني بعد وأكبرهم تجاوز سن التسعين. سن الشيوخ والمرضى لم يكن  يشفع لهم أمام القائد الذي كان يصر على مشاركة الكل في هذه الأوراش    بغض النظر عن السن  والوضع الصحي للرجال.

وإذا كان الشاوش اعتابو بحسب رأي السكان لا يقل قسوة عن القائد، فإن الشاوش كان يؤكد هذا الرأي من خلال تصرفه القائم على محاولة، لا شعورية، للتوحد بشخصية القائد مثله الأعلى في البطش والقسوة. كان منتهى أمله أن يكون صورة طبق الأصل للقائد عروب، كي ينال عطفه ورضاه.

الاختلاف الوحيد المسجل بينهما، والذي لايعرفه سوى القائد وبعض المقربين من الشاوش، هو خوف هذا الأخير من زوجته عائشة، أو عائشة الرومية كما يحلو للسكان أن يطلقوا عليها. أمامها كان الشاوش يتحول إلى حمل وديع. ولوقدر للعمال الذين كانوا يرتعدون خوفًا من سطوته، أن يروه في حضرة زوجته خاضعا خانعا، لما صدقوا أن الماثل أمام زوجته هو حقا الشاوش اعتابو بلحمه وشحمه، ولظنوه شخصا آخر لم يسبق لهم أن رأوه.

القائد عروب الذي كان متزوجًا من امرأتين  لم يكن يعاني من هذا العيب، بل بالعكس كان سيدًا في قريته وسيدًا في بيته، لا صوت يعلو على صوته، وإذا اجترحت إحدى زوجتيه خطأ ما، فقد كان يؤدبها كما يجب دون أن تأخذه بها رأفة ولا شفقة، كان القائد يؤمن بالمقولة التي مفادها: من لا يستطيع أن يسوس أهله لايستطيع أن يسوس الناس، لذلك كان يحرص على الحزم داخل بيته وخارجه.

في اليوم الموالي  لقدوم المقدم رحو إلى مقهى باهشوم، وتعيين الأشخاص الذين وجب عليهم الالتحاق بورش عين الرحى. حمل ميمون عكراد الزاد الذي سيكفيه لمدة أربع أيام، خبز الشعير وزيت الزيتون وقليل من السمن، ودع زوجته وأوصى ابنه أن يعتني بأمه وأن يهتم بشؤون البيت والحقل في غيابه.

رحل والغسق لازال مخيما على القرية، وقفت مريم تشيعه بعيون دامعة حزينة، انتابها إحساس غريب لم تفهم سببه، شعرت بانقباض غريب، راحت تراقب زوجها وهو يختفي تحت جنح الظلام كأنها لن تراه مجددًا، وحين اختفى شبحه بين ثنايا الغسق، حاولت طرد وساوسها وهي تقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، اللهم احفظ زوجي  من شر الخلق ..آمين.

قضى ميمون سحابة يومه في العمل الدؤوب، كان  الشاوش اعتابو يتجول على صهوة فرسه وهو يحث العمال على بدل المزيد من الجهد، في المساء وحين اختفت الشمس خلف الأفق لجأ الجميع إلى خيام المخصصة لهم، أغلبها كان قديما مهترئًا لطول ما ظلت تحت الشمس والمطر، الخيمة التي كانت من حظ ميمون شاركه فيها شخصان، رجل عجوز تجاوز العقد السابع من عمره اسمه عْلي وْعمر، أما الشخص الثاني فكان في مثل سن ميمون اسمه لحسن وحمو.

بعد أن تمت عملية التعارف بينهم، سأل كل واحد منهم الأخر عن القبيلة التي ينتمي إليها، كان علي وعمر ينتمي إلى قبيلة أيت عبد الحميد، وهي نفس قبيلة التي ينتمي إليها  ميمون، أما لحسن ورحو فكان ينحدر من قبيلة أيت بوسلما، وهي قبيلة تستوطن السهول الجنوبية للقرية.

قال لحسن، وقدكان رجلا طويل القامة ضامر الوجه حاد النظر بأنف شامخ، مخاطبا ميمون :

-         سمعت بعض العمال يتحدثون عنك.

نظر إليه ميمون وقال  :

-         ما ذا كانوا يقولون؟

-         يقال أنك كنت هنا منذ فترة قصيرة، وها أنت تعود إلى الورش قبل أن يحين موعد مجيئك.

قال ميمون:

-         ما سمعته صحيح.

قال لحسن :

-         ماذا حدث حتى أتوا بك إلى  هنا قبل الأوان.

قال ميمون ساخرا :

-         لا شيء هكذا هو مزاج القائد.

قال الشيخ :

-         أعرف القائد، لكن لا بد أن يكون هناك سبب، دفع القائد إلى جرك إلى قبل الأوان.

قال ميمون بعد صمت قصير:

-         صدقت السيد القائد قرر أن يستحوذ على قطعة أرض أملكها، وحين رفضت قرر معاقبتي، هذا كل ما في الأمر.

قال الشيخ:

-         لاحول ولاقوه إلا بالله

التفت لحسن إلى الشيخ وقال:

-         وأنت عمي علي هل حان وقت مجيئك، أم أنك جئت قبل الوقت.

تنهد الرجل وقال :

-         نعم يا ولدي جئت قبل أن يحل موعد دوري.

قال ميمون:

-         ماذا حدث لك أنت أيضا؟

ابتسم الشيخ بمرارة:

-         الحقيقة أنني أرسلت إلى هنا بالصدفة.

سأله لحسن باستغراب :

-         كيف ؟

-         رآني أحد عساكر الفرنسيين أقطع الطريق المعبد ببغلتي، اتجه نحوي ضربني وشتمني، و يا ليته اكتفى بذلك بل ساقني على التو إلى السجن، قضيت ليلتي هناك، في الصباح عرضوني على نائب القبطان، تأملني الرجل وقال:

-         إنه شيخ هرم، أخرجوه من السجن، وليقضي مدة عقوبته في العمل بأحد الأوراش، وهكذا وجدت نفسي بينكما.

قال ميمون:

-         ربنا على الظالمين

نبر الشيخ:

-         اصمت يأبني قد يسمعك أحدهم، لا تنقصنا المشاكل.

ولكي يخفف عن نفسه بعضًا مما استبد به من غضب، أخرج ميمون كوزته، نزع السدادة، أفرغ المسحوق على ظاهر كفه رسم بالنشوق خطا طويلا، قرب أنفه من الكتلة الخضراء، وبلمح البصر انسرب الأكسير السحري  بين خياشيمه.

قال لحسن مبتسمًا:

-         الرجل يظهر من تنفيحته.

أجاب ميمون، وهو يمد الكوزة إليه:

-         تكرم

تناول لحسن الكوزة فعل مثلما فعل ميمون.

قال ميمون مبتسما:

-         أنت أيضا فحل من فحول النشوق.

-         بدونها لا تحلو هذه الحياة ابنة الكلب.

التفت ميمون إلى الشيخ وقال :

-         وأنت عمي علي هل لك في النشوق نصيب.

-         عفا الله ..نلنا منها ما يكفي  

قال لحسن مازحًا:

-         لاشك أنك كنت من كبار المنفحين.

-         لا تذكرني بها فذكراها تؤلم قلبي

ضحك لحسن بصوت مرتفع وقال :

-         أ إلى هذا الحد  ..لا..لا..لابد أن تروي لنا قصتك يا عم علي معها.

-         لا أريد أن أتذكر أشياء لازالت تؤلمني إلى اليوم وأنا شيخ هرم.

هتف ميمون قائلا :

-         لا ..لا لقد شوقتنا ياعم علي  بالله عليك احك لنا.

حاول الشيخ علي أن يتملص، لكن لحسن وميمون أصرا على سماع الحكاية، كانا في حاجة ماسة لحكاية تنسيهما هم المكان والزمان.

صفن الشيخ كأنه يعيد شريط الذكريات إلى الوراء، ثم قال:

حدث ذلك حين كنت شابًا، لم يكن الفرنسيون قد دنسوا منطقتنا بعد، كان الناس يعيشون على الفلاحة والرعي، وعلى الرغم من أن الناس كانوا يمارسون هذه الأنشطة، فقد كانت فئة أخرى منهم تعيش على مورد آخر وهو السرقة والنهب، وكان مقياس الرجولة تحدده سمعة الفرد في هذا المجال، الظاهرة لازالت منتشرة إلى الآن كما تعلمون، لكن الفرنسيين قلصوا منها إلى حد ما.

أمام هذا الواقع الذي لا يعترف برجولة الشخص إلا إذا كان لصًا جسورًا، كان علي أن أخوض التجربة، وأن أثبت لنفسي أولًا وللآخرين أنني رجل بكل ما تحمل هذه الكلمة من ثقل ومعنى، وفعلًا بدأت أخطو أولى خطواتي على درب اللصوصية، بدياتي الأولى كانت خجولة، لكنها كانت مشجعة، وحين وجدت أن التوفيق كان يحالفني في بداياتي الأولى، طفقت أطور مهاراتي شيئًا فشيئًا، في هذه الأثناء تعرفت على فتى في مثل سني اسمه سعيد، هذا الولد كان ماهرًا في اللصوصية إلى درجة لا تتصور، كان من أولائك الذين يقال عنهم أنهم يسرقون الكحل من العينين، قلت له يومًا مازحًا :

-         أظن يا سعيد ..أنك خلقت لكي تكون لصًا

أجابني ضاحكا :

-         كلنا لصوص يا صدقي، وأكبر اللصوص هم الأغنياء.

————-

كاتب الرواية عزيز أمعي

كاتب الرواية عزيز أمعي