تلك الأيام – الحلقة الرابعة

 azizama3iriwaya

تناول با هشوم الفنجان،  قدمت السيدة مارغريت لزوجها فنجان آخر من القهوة، ثم أشارت إلى باهشوم كي  يتناول الحلوى، مد هذا الأخير يده نحو الصينية. أخد قطعة صغيرة وضعها في فمه، أعجب بلذة الحلوى، نظر إلى السيدة مارغريت وقال:

-         حلوى لذيذة سلمت يداك

ابتسمت السيدة مارغريت ثم قالت :

-         هل أعجبتك؟

-         جدا..جدا

تذكر زوجته وما تهيئه من حرشة، ملاوي، بغرير وثريد . لا ينكر لذة كل هذه الأصناف التي ورثتها نساء القرية أما عن جدة . لكن هذه الحلوى لها حقا طعم جديد ومختلف.

بعدما أنهى باهشوم شرب القهوة، وتناول الحلوى، نهض السيد يعقوب اتجه إلى خزانة استخرج منها مظروفا ثم عاد إلى مجلسه، نظر إلى زوجته كأنه يستئدنها، أومأت كأنها تبارك تصرفه، التفت السيد يعقوب إلى باهشوم وقال:

-         إذا سمحت ..قررت أنا وزوجتي أن نقدم لك هدية بسيطة، عربونا على تقديرنا لشجاعتك وللجميل الذي أسديته لنا.

قال قوله هذا، ثم قدم المظروف لضيفه.

أراد با هشوم أن يتكلم لكن السيد يعقوب قاطعه قائلا :

-         أرجو أن لا ترفض هذه الهدية البسيطة، أننا نصر ولن قبل أي اعتذار منك .

تناول باهشوم المظروف ،فتحه  فوقع بصره على أوراق نقدية .شعر بالغضب، لكن غضبه تحول إلى الشفقة اتجاه هؤلاء الناس . أدرك أن الزوجين تصرفا بحسن نية ،ولم يقصدا أي سوء.

وضع المظروف على المنضدة ثم قال:

-         عفوا سيد يعقوب لايمكنني قبول هذا المال.

نظر يعقوب إلى زوجته كأنه يستنجد بها .قالت السيدة مارغريت :

-         سيد هسوم ..أرجوك لا ترفض هديتنا  …

قاطعها با هشوم :

-         سيدتي يجب أن تفهميني أنت وزوجك، أن ما فعلته كما قلت أكثر من مرة، كان بدافع إنساني ليس إلا.شكركما وصلني، ودعوتكما  لي كرم منكما أعتز به، وأنا الآن الممتن لكما لاأنتما .وصدقيني سيدتي أنا لاأطلب شيئا آخر أكثر من هذا.

ساد الصمت .نظر الزوجان إلى بعضهما البعض، ابتسما معا، كبر الرجل في عيونهما. تمنيا لو كان بإمكانهما أن يرضياه بشكل آخر  .

قال باهشوم :

-         والآن استئدنكما في الانصراف.

ساد الصمت، فجأة قال السيد يعقوب الذي يبدو أن فكرة ما قد خطرت بباله :

_انتظر.. بما أنك ترفض النقود، فأنا لدي اقتراح أرجو أن يحظى بموافقتك.

نظر إليه با هشوم باهتمام.

قال السيد يعقوب :

-         ما رأيك في مشروع؟

-         ماذا تعني سيد يعقوب؟

نظرت السيدة مارغريت إلى زوجها وكأنها تستطلع ما الذي يجول بين تلافيف دماغه، لم يلتفت إليها، تابع كلامه مخاطبا ضيفه :                                                 

-         أنا أفهمك، بما أن مقهاك لاتشتغل سوى  يوم الأحد الذي هو يوم السوق .فلماذا لاتيقيها مفتوحة طيلة أيام الاسبوع. وبذلك يصبح   دخلك منها معقولا.

قال باهشوم بأسف:

-         كان بودي أن أفعل لكن أنت تعلم سيد يعقوب، المحل غير مجهز بالشكل المطلوب كما أن السكر والشاي إضافة إلى البن، مواد تعرف خصاصا حادا في السوق، مما يجعل مسألة توفيرها للزبائن أمرا شبه مستحيل.

قال السيد يعقوب :

-         أعرف كل هذا فأنا رجل تجارة وأعلم جيدا ما يحدث في السوق .

صفن لحظة ثم واصل حديثه :

-         لقد فكرت في كل مخاوفك. وأنا على استعداد لمساعدتك.

نظر إليه باهشوم بعيني متسائلتين ،كأنه يريدأن يفهم إلى ما يرمي إليه يعقوب .

قال اليهودي :

-         أنا أفهمك :بالنسبة للمواد التي تخشى نضوبها ،أنا أتكفل بتوفيرها لك باستمرار، يبقى التجهيز وتوسيع المحل هذه مسألة يمكن حلها.

تدخلت السيدة مارغريت مبتسمة ، وقد بدا عليها السرور بفكرة زوجها :

-         فكرة هائلة ..شكرا لك زوجي العزيز

ثم التفتت إلى باهشوم وقالت :

-         أظن الآن ليس لك الحق في الاعتراض سيد هسوم .

قال با هشوم الذي فاجأه العرض :

-         هذا كثير..كثير  سيد تي 

-         لا..لا مش كثير سيد هسوم

ثم أضافت متوسلة :

-         أرجوك وافق سيد هسوم

ثم التفتت إلى زوجها قائلة :

-         تكلم يعقوب .قل شيئا 

قال السيد يعقوب:

-         هه ..مارأيك سيد هشوم

احتار با هشوم كيف يرد، الاقتراح وجد صدى في نفسه ،لكنه لم يشأ أن يحمل هذه العائلة عناء مساعدته . وبعد تفكير غير قصير قال باهشوم :

-         أوافق لكن على بشرط .

قال السيد يعقوب :

-         اشرط ما شئت  .

-         أوافق على أساس أن يكون ثمن توسيع البناء دين أرده فيما بعد  .

ابتسم  السيد يعقوب وقال :

-         يبدو أن لافائدة فيك سيد هشوم …

ثم التفت الى زوجته وقال :

-         مارأيك عزيزتي ؟

اجابت المرأة :

-         طيب بما أن السيد هسوم يصر فلا أرى مانعا من أن توافق على شرطه .

قال السيد يعقوب :

-         إذا اتفقنا .

 

أيام قليلة بعد هذا اللقاء، عرف  مقهى باهشوم تغيرات  شاملة شكلا ومضمونا. أعيد توسيعه وترميمه وأصبح في مستوى متاجر الفرنسيين الذين كان يجاورهم .جلبت إليه  الطاولات والكراسي بالعدد المطلوب .أما المؤونة الخاصة بالمقهى فقد حصل با هشوم منها على ما يكفيه لعدة أسابيع .وبعد أن تهيأ لباهشوم كل شيء .أعلن ذات أحد لزبائنه،  الذين لم يكن لهم حديث طيلة تلك الأيام سوى عن التغيرات التي شهدها مقهى باهشوم ،  بأن المقهى لن يغلق أبوابه كما في السابق ،بل سيظل مفتوحا طيلة أيام الأسبوع .هلل الحاضرون لهذا الخبر الذي انتشر بعد ذلك  في القرية والضواحي انتشار النار في الهشيم .ومند ذلك الحين أصبح المقهى  محجا للسكان يقصدونه للعب الورق والضامة ،إضافةإلى ممارسة النميمة اللذيذة وهم يملؤون خياشيمهم بالنشوق .

ميمون عكراد الذي كانت تربطه علاقة مصاهرة بباهشوم ،حيث إنهما كانا متزوجين من نفس البيت ، كان  يؤم المقهى  من أجل الحصول على النشوق .يجلس غير بعيد عن لاعبي الورق ،وهو يستمتع  بالمسحوق السحري .يبتسم كلما سمع  المنتصرين في لعبةالورق يتندرون بالمنهزمين وهم يسمعونهم كلمات نابية  . يقضي ما طاب له من الوقت في المقهى ثم يعود إلى بيته .

كان با هشوم يحب ميمون ، فقبل المصاهرة كانا صديقين حميمين ،امتهنا الرعي معا ، واشتركا في حب صيد السمك ، وحتى حين قررا أن يتزوجا قصدا نفس البيت .لذلك كانت لميمون معزة قوية في قلب با هشوم .قدوم ميمون إلى مقهاه كان يسعده  .ولكي يجعله يحس بما يكنه له من معزة كان با هشوم يوليه اهتماما خاصا كلما زاره في مقهاه ، ويرفض أن يأخذ منه ثمن ما يستهلكه لكن ميمون عكراد حسم معه  الأمر قائلا :

-         إما أن أدفع أو أنقطع عن المجيئ .

قال با هشوم مستسلما :

-         طيب ..أنت وشأنك

في أحد المساءات الجميلة ، وقد كان المقهى غاصا بالزبائن ، وهم منخرطون في ما اعتادوا من لعب  .  همسأحدهم فجأة :

-         المقدم رحو ..المقدم رحو .

كف الجميع عن اللعب، وتحول الهرج والصخب اللذان كانا سائدين في المقهى، إلى صمت يشبه صمت القبور  .

-         السلام عليكم

تحية قالها  المقدم دون أن يترجل عن بغلته .

-         وعليكم السلام رد الجميع.

جال المقدم بعينه بين الحضوركأنه يريد أن يتأكد من أن الذين جاء من أجلهم موجودون ،صفن لحظة ثم  قال :

-         محند أحمو، بناصروبلقاسم، حمو وريدال، ميمون عكراد، حسن وبن يدير، بلقاسم وعلي، وميمون وميمون  .الذين سمعوا أسماءهم مطلوبون للالتحاق غدا بأشغال الأربع أيام بطريق عين الرحى .

شعر الذين لم تذكر أسماؤهم بارتياح ينزل على نفوسهم بردا وسلاما، تنفس أغلبهم الصعداء ،طبعا هم يعرفون أن دورهم قادم لا محالة لكن على الأقل بإمكانهم أن يفرحوا لأنهم لم يكنوا على لائحة المقدم اليوم ، أما غدا فله مدبر حكيم .

فجأة رأى الجمع ميمون عكراد يقوم من مقعده ويقول للمقدم :

-         ما هذا سي رحو .. لم يمض على عودتي من الأربع أيام سوى أسبوعان .والكل يعرف أن ما فرضه علينا الفرنسيون لايتم إلا مرة واحدة كل ثلاثة أشهر فهل أصبحتم تجتهدون دون علم القبطان .

قال المقدم الذي شعر بإحراج كبير :

-         انتبه إلى ألفاظك الأوامر أعطيت ولا دخل لي في الأمر.

-         أعرف أن الأوامر أعطيت ،وأعرف لماذا أعطيت .لكن لن تطول أنت ومن أرسلك ما تسعون إليه .

ساد صمت ثقيل  فوق رؤوس الجميع ، اشرأبت الأعناق لمعرفة إلى ما ستؤول إليه الأمور .

قال المقدم :

-         أنت تتفوه بكلام خطير قد تحاسب عليه .

-         الحق ينطق صاحبه .

قال المقدم معرضا عن عكراد  مخاطبا الأخرين  :

-         هذه أوامر القائد، وها أنا قد بلغتها .السلام عليكم .

لم يرد على تحية أي من الحاضرين اختفى المقدم عن الأنظار .ساد الصمت في المقهى .تعلقت عيون الجميع بميمون، الكل كان يعرف أن الرجل مظلوم وأن دوره  لم يحن بعد كي يذهب للعمل في أوراش الأربعة أيام .طبعا أغلبهم كان يعلم  سبب تحامل القائد عليه ،فقصة رغبة هذا الأخير في الاستيلاء على أرض ميمون كانت معروفة للجميع .انتشرت بين الحاضرين تعليقات وهمهمات خافتة، ثم عاد الكل للعب كأن شيئا لم يقع.

—————–

كاتب الرواية عزيز أمعي

كاتب الرواية عزيز أمعي