تلك الأيام – الحلقة الثالثة

azizama3iriwaya

مقهى هشوم، أو باهشوم، كما يناديه السكان، يقع وسط القرية إلى جوار المتاجر العديدة  للفرنسيين، أغلب هذه الدكاكين كان يملكها اليهود، يتاجرون في كل شيء: المواد الغدائية، الأثواب الصوف إضافة

إلى الغاز، متاجرهم التي بنوها وفق الهندسة المعمارية الفرنسية، انتشرت كالفطر، إلى جوار مقر السوق الأسبوعي، الذي يؤمه سكان القرية والمناطق المجاورة كل أحد.

في البدء كان المقهى مجرد بيت طيني، يفتحه با هشوم يوم الأحد، فيقبل المتسوقون عليه، يجدون بّا هشوم في انتظارهم يهيئ لهم الشاي الممتع والقهوة اللذيذة، يجلس الزبائن فرادى وجماعات يحتسون القهوة التي يعشقونها بجنون. يتبادلون الحديث   .يتحدثون في كل شيء: الفلاحة التجارة النساء.  أما الأمور المتعلقة بالفرنسيين وقوادهم فكانوا لا يقتربون منها في مثل هذه الأماكن أبدا .لكنهم حين يكونون برفقة من يثقون به ثقة عمياء، فأنهم لا يتورعون عن الحديث عما يجيش في قلوبهم من  ظلم الفرنسيين وزبانيتهم، خاصة أولائك القواد من أبناء جلدتهم الذين أصبح ظلمهم أشد مضاضة على الأهالي من قهر الفرنسيين.

حين ينفض السوق ويتفرق القوم عائدين إلى بيوتهم، حاملين المؤونة اليسيرة التي سمحت بها إمكاناتهم المادية، مزودين بأخبارمتنوعة يحكونها بشيء من المبالغة حتى يحظون باهتمام من يستمع إليهم، يغلق با هشوم مقهاه ويعود إلى بيته الذي يطل على ضفة  نهر زايز.

باهشوم يعيش وحيدا مع زوجته  التي لم يرزق منها بالولد . صفية لم تكن زوجته الأولى فقد جرب حظه في الزواج أكثر من مرة أملا في أن يرزق بالأولاد . لكن في الختام اقتنع أن العيب فيه فأعرض نهائيا عن التفكير في الزواج راضيا بالقسمة والنصيب ، خاصة وأن الله أنعم عليه بإمرأة طيبة المعشركانت تبذل كل ما في وسعها لتملأ،وتنسيه حسرة الفشل في الحصول على الولد  .

خلال أيام  الأسبوع الأخرى ، يشتغل أبا هشوم في الفلاحة . يعتني بالخضر التي يزرعهافي فدانه بالولجة .يرعاها بالسقي والتطهير من الطفيليات   إلى أن  تنضج وتستوي ،فيبيعها في السوق بالجملة  قبل أن يفتح مقهاه  . أما في أوقا ت الفراغ ،فقد  كان  يحمل صنارته ويتوجه إلى النهر، ليصطاد السمك  هوايته التي يعشقها بجنون  . كان الصيد بالنسبة لباهشوم أمرا لايمكن أن يستغني عنه أو يعيش بدونه   . على ضفة النهركان يشعر بكينونته تتحقق،ووجود ه يزداد عمقا واتساعا .بكل شغف واهتمام يجلس  على صخرة مطلة على النهر ، في مكان يقدر  أنهيحتوي على ما يكفي من السمك.  يعد  صنارته بكل عناية وإتقان .يثبت الطعم بإحكام  ثم يلقي بالشص إلى الماء .عندها  تغمره إشراقات من السعادة لايشعر بها إلا أولائك الذين ابتلوا مثله  بحب صيد السمك. خلال لحظات الانتظار ينسى باهشوم الفرنسيين والقائد عروب كما ينسى ألمه الدفين والحسرة التي يشعر بها كلما رأى ابنا مع أمه أو أبيه .كل هذا ينساه وهوينتظر أن تلتقط صنارته صيدا ثمينا . لم يكن با هشوم يمارس الصيد من أجل الكسب بل كان يمارسه كمتعة وكثيرا ما اصطاد سمكة كبيرة جميلة يتأملها بعطف أبوي حنون  ،يمسح رأسها يرقة و قبل أن يلقي بها في الماء يخاطبها قائلا:

_هيا عودي يا طفلتي الجميلة إلى موطنك ،لا تنسي أن تشكري با هشوم عند أهلك وذويك .

زوجته صفية كانت تعرف أسلوبه في التعامل مع الأسماك .كانت تعرف رقة قلب با هشوم هذا الرجل الكهل الذي يبدو كطفل صغير كلما وجد نفسه أمام موقف يستدعي منه الرحمة والرأفة . هذه الطفولة الكامنة تحت جوانحه ،هي ماكان يجعلها  تحبه وتحنو عليه .وعلى الرغم من أنها اكتشفت عقم با هشوم مبكرا واستحالة الإنجاب منه .فقد قررت الاستمرار معه على الرغم من أن أمها رحمها الله عارضت بقوة قرارابنتها .وكانت دائما تقول لها حين تأتي لزيارتها :

_يابنيتي ربنا يهديك الزواج دون أولاد لامعنى له . غدا تكبرين وتهرمين ولن تجدي حتى من يقدم لك كوب ماء .عندها ستدمين حيث لا ينفع الندم.

كلام أمها المنطقي كان خنجرا يمزق أحشاءها،لأن لا شيء  يؤلم كالحقيقة  .لكن حبها لهشوم كا ن أقوى منها لذلك كانت دائما تجيب أمها .

_ أمي ..الزواج والأولاد  قسمة ونصيب. ولا مفر لابن آدم مما قدره الله له .

تعرف الأم أن لاجدوى من محاولة إقناع ابنتها  .لذلك كانت تختم بقولها:

_لقد نصحتك يا بنت . دمك على جنبك .

بعض الأحيان حين كان أبا هشوم يعودمن الصيد خاوي الوفاض .تستقبله صفية ضاحكة  وهي تقول :

_يبدو أن عرائسك شملهن عفوك اليوم.

يبتسم با هشوم ثم يقول:

_آه لو رأيتهن يا زوجتي العزيزة كن حقا رائعات  فاتنات

   _طبعا وكيف يعقل أن نتغذى على الجميلات الفاتنات .ألا تخشى من أن أغار منهن؟

يجيبها با هشوم والابتسامة لا تزال  على شفتيه :

_ أبدا

_لماذا ؟

_لأنك أجمل سمكة يمكن أن يحظى بها أي صياد في هذه الدنيا .

يضحكان معا . تغمرهما السعادة يدرك با هشوم أن هذه المرأة هي زوجته وابنته  التي وهبهما  الله له. وتنظر إليه صفية بدورها وقلبها مفعم بالحب والسعادة .تعانقه وهي تقول :

_أه يا طفلي الصغير .كم أحبك.

ذات ظهيرة و بينما كان با هشوم كعادته على ضفة النهر ينتظر ما قد يعلق بصنارته من صيد ثمين .لاحظ على الضفة الأخرى من النهر مجموعة من الفرنسيين معهم أطفال ونساء يتنزهون بجوار النهر .بعد أن تأملهم جيدا .عرف فيهم اليهوديين يعقوب وشلومو وأفراد عائلتيهما .كان من عادة اليهود أن يخصصوا يوم السبت الذي هو يوم عطلة لديهم للتنزه وقضاء اليوم بكامله رفقة أسرهم سواء داخل البيت أو خارجه ..

بينما  كان باهشوم يعالج سمكة كبيرة علقت بصنارته، سمع صراخا آتيا من الضفة الأخرى .إلتفت إلى مصدر الصوت رأى شلوموويعقبون يسرعان نحو الشط . كانت فتاة في عمر الزهور تشير نحو الماء وهي تصرخ .أمعن ميمون النظرإلى حيث أشارت الفتاة  فرأى طفلا في العقد الأول من عمره ينزل ويطفو فوق الماء .وقف الرجلان وخلفهم النساء وهم  يصرخون دون أن يجرؤ أحد منهما على إغاثة الصبي  . أدرك با هشوم أن الفتى سيغرق لا محالة إذا لم يتدخل .لم يشعر بنفسه إلا وهو وسط اليم ، سبح  بكل ماأوتي من قوة اتجاه الصبي .ماكاد يصل إليه حتى لمحه  يختفي تحت الماء ،علا الصراخ بين أهله، أما باهشوم  فغطس بسرعة  خلف الغريق ،و بمهارةسباح محنك أمسك الصبي. رفع رأسه إلى الأعلى حتى يتمكن الصغير  من التنفس .وبكل حذق وبراعة سحبه إلى الشط  . حين بلغ إلى اليابسة وضعه على ظهره .كا ن الطفل فاقد الوعي .ضغط باهشوم على صدره فانفجر الماء من أنفه وفمه ثم بدأيسعل و يتنفس . أفراد العائلة معا كانوا يبكون من الخوف والفرحة وهم غير مصدقين أن ابنهم نجا من الغرق .

نهض باهشوم نظر إلى  الجميع ،ابتسم و قال مطمئنا أهل الغريق .

_لا تجزعوا يا سادة  لاخوف على ابنكم  بعد وقت وجيز سيصبح بألف خير .

تقدم نحوه يعقوب ،أمسكه من ذراعيه بكلتا يديه وهو يقول بلكنة تمازجها لغته الأم  :

_شكغا ..شكغا .هسوم لقد انقدت ولدي من الموت لن أنسى جميلك أبدا .

قال باهشوم وقد تأثر بمرآى الدموع تنساب من عيون الحاضرين  :

_لاشكر على واجب أي أحد في مكاني كان سيفعل مثل مافعلت .

وليدخل قليل من المرح على هذه القلوب الوجلة قال مبتسما :

_ أنقدت ابنك لكن أضعت سمكة في مثل حجمه .

ابتسم الجميع .قال يعقوب:

_سأعوضك عنها.. حتما سأفعل .

وفعلا وفى الرجل بوعده .فبعد أيام قليلة من الحادث الذي أصبح حديث أهل القرية جميعا. بعث يعقوب إلى  هشوم يدعوه  لزيارته في بيته.امتثلبا هشوم للدعوة ،لا لأنه كان ينتظر مقابلا عما فعل ، لكن من باب المجاملة ليس إلا .

استقبله السيد يعقوب وزوجته مارغريت  بحفاوة بالغة .تأثر با هشوم بحرارة الاستقبال .خجل ،شكرهم بدوره مؤكدا للمرة الألف أنه لم يقم سوى بالواجب.

أعجب با هشوم ببيت السيد يعقوب ،كان بيتا فخما يحيط به سور سامق .خلفه حديقة غناء ،أزهارها كثيرة وظلالها وارفة .أما ديكور  البيت فكان يتألف من أثاث كل قطعة فيه بدت لبا هشوم تحفة نادرة .لم يسبق له أن دخل بيتا من بيوت الفرنسيين .لذلك شعربالحرج وهو يقف وسط صالة واسعة تضم أثاثا أنيقا ولوحات فنية ملصقة على الجدران .لم يدر كيف يتصرف ، وكأن يعقوب قرأ ما يجول في ذهنه ،فأمسكه من يده وقاده نحو ثلاث كنبات واسعة تتوسطها طاولة زجاجية دائرية الشكل عليها مزهرية تضم زهورا يانعة  .

جلست السيدة مارغريت إلى جوار زوجها ،كانت امرأة في العقد الرابع من عمرها .جميلة بشكل لافت لم تتمكن السنون من أن تنكس من جمالها .

 قال السيد يعقوب  مبتسما :

_أرجو أن لانكون قد أزعجناك بهذه الدعوة .

_أبدا ..أبدا إنه شرف لي أن أحظى بدعوتكم .

قالت السيدة مرغريت وملامح الجدية ترتسم على تقاسيم محياها الجميل:

_صدقني سيد هسوم ،قالت هسوم بلكنتها الفرنسية فخرجت من بين شفتيها بطعم لذيذ جعلت با هشوم يبتسم في سره،جميلك سيظل يطوقني ما حييت .

_استغفر الله سيدتي إن الأمر لايستحق كل هذا …

قاطعته السيدة مرغريت ،وإشراقة دمع تتلألأفي مقلتيها:

_لاسيد هسوم عندما يتعلق الأمر بحياة إنسان، وحين يكون هذا الإنسان ابني الوحيد فإن الأمر يستحق أكثر من الشكر .

  قال باهشوم   :

_العفو سيدتي ..العفو .

في هذه الأثناء دخلت خادمة فرنسية تحمل صينية عليها إبريقين ملونين، فنانجين وكؤوس ثمينة لم يسبق لبا هشوم أن رأى مثلها .وضعت الصينية ، ثم اختفت لتعود بصينية أخرى عليها  أشكال مختلفة من الحلوى .وضعت  الصينية الثانية ثم غادرت .

دنت السيدة مارغريت من الصينية التي تحتوي على الإبريقين .إلتفتت إلى با هشوم ثم سألته وابتسامة جميلة على شفتيها :

_قهوة ..أم شاي

تمم با هشوم:

_قهوة من فضلك

أفرغت السائل البني المخلوط بالحليب في فنجان خزفي أبيض مزين برسوم دقيقة وجميلة .قدمت لضيفها الفنجان . قالت والابتسامة لاتفارق ثغرها الجميل :

_تفضل

—————

كاتب الرواية عزيز أمعي

كاتب الرواية عزيز أمعي