تلك الأيام – الحلقة الثانية

azizama3iriwaya

بيت القائد عروب .قلعة صغيرة تقع على ربوة تطل على القرية .قبل قدوم الفرنسيين واستيلائهم على أراضي بني وراين ،كان عروب يقطن بيت أبيه البسيط، الذي بناه كغيره من السكان على الأرض التي ورثهاأبوه أيضاعن أجداده . لكن حين أصبح قائدا بنى له رجال القرية مرغمين بيتا فخما يليق بمنصبه .
حين وصل المقدم رحوإلى هذا البيت . ترجل عن بغلته. ثم طلب الاستئذان في مقابلة القائد .سمح له بالدخول . تقدم وهو يسأل الله أن يعينه على مواجهة القائد .كان هذا الأخير جالسا في مكانه المعتاد .
همس المقدم قائلا باحترام:
_السلام عليكم سيدي القائد.
رازه القائد بعينين متسائلتين .وبدل أن يرد السلام،بادره القائد قائلا :
_يبدو أن صاحبنا رفض العرض .
شعر المقدم رحو بوجيبقلبه يتصاعد ،لم يظن أن ملامحه كانت تشي بفشل مهمته إلى هذا الحد.
قال القائد دون أن ينتظر ردا من المقدم:
_لابأس بإمكانك الانصراف ، سنرى كيف يمكننا إقناعه بوسائل أخرى.
حاول المقدم ،الذي فوجئ بموقف القائد، أن يعتذر.لكن القائد حسم الأمر :
_انتهينا ..بإمكانك الانصراف .
انسحب المقدم ،كما تنسحب الطريدة أمام خطر يتهددها .بعد خروج المقدم .صرخ القائد :
_قدور..قدور..
دخل الخادم مهرولا .
_نعم سيدي القائد
_عندما يعود الوحش في المساء ، ابعثه إلي .
_حاضر سيدي .
حسن الشكري ،أو الوحش كما يلقب، راع من بين رعاة ثلاثة يشتغلون عند القائد .اكتسب لقبه بفضل دمامة وجهه وضخامة جثته .إضافة إلى نهمه الغريب للأكل . القائدعروب كان أول من أطلق عليه هذا اللقب . يروي حسن بافتخار لزملائه الرعاة كيف لقبه القائد بالوحش ،فيقول :
_في إحدى المناسبات الكثيرة التي يقيمها القائد في بيته، والتي يحضرها وجهاء القبيلة وبعض الفرنسيين . طلب مني تقديم يد المساعدة للطباخين . بعدما انهينا تقديم الطعام للضيوف .قدم لي رئيس الخدم وجبة دسمة مما فضل عن الضيوف .التهمت ما قدمه لي الرئيس وكان اسمه الطاهر . قال هذا الأخير بعدما نظر إلي نظرة ملؤها الدهشة :
_أتريد المزيد ؟
ضحك الوحش حتى ظهرت أسنانه الصفراء الضخمة ثم قال:
_ظن الطاهر أنني شبعت و لن أطلب المزيد .لكنني أومأت له برأسي أن نعم. فجاءني بطبق ضخم من الكسكس وعليه لحم البقر .بدأت التهم ما قدم لي دون أن أحفل بالخدم الذين تحلقوا حولي .كان الكل يستغرب من شراهتي في الأكل. فجأة ساد صمت مطبق ، وانسل كل واحد من الواقفين حولي هاربا كما تفر الفئران حين ترى القط . شعرت بشخص يقف خلفي رفعت رأسي فرأيت القائد عروب بجلالة قدره ينظر إلي :
_ما هذه الفوضى؟
توقفت عن المضغ .نظرت إليه غير قادر على الكلام بسبب الطعام الذي كان يملأ فمي .تشجع الطاهر . تقدم نحو القائد ،طفق يتمتم بكلمات لم يفهم منها القائد شيئا .صرخ القائد :
_ ويحك ما الأمر ؟
لم يكن أمام الطاهر سوى أن يحكي بارتباك ما حدث دون زيادة أو نقصان . وبدل أن يغضب القائد نظر إلي وطيف ابتسامة على شفتيه ،ثم قال :
_اتمم الأكل .
بقيت أنظر إليه كالأبله ،وأناأتساءل هل هو جاد في قوله أم أنه يسخر مني .صرخ في وجهي :
_قلت لك أتمم الأكل .
استجبت خوفا منه .حين انهيت ما بالطبق، التفت القائد إلى الطاهر ، ودون أن يستشيرني أمره قائلا :
_زده طبقا آخر .
اسقط في يدي ولم أدر هل أمضي في تناول الطعام أم أتوقف . نظرت إلى الطبق الشهي ثم رفعت عيني نحو القائد للتأكد أخيرا أريد بي أم أن هذه الأطباق هي الأخيرة لي في بيته .أشار القائد إلي بيده قائلا:
_كل ..كل
امتثلت لأمر القائد وطفقت ألتهم الفرختين .حين أنهيت منهما .سمعت القائد يسألني :
_هل بإمكانك المزيد ؟
مسحت فمي بردن ثوبي ، وقلت :
_نعم سيدي.
قال ضاحكا وقلما كان القائد يضحك :
_أنت حقا وحش ..
قال قوله هذا اثم انصرف .هرع نحوي الطاهر والخدم .سألني الجميع:
_هل أنت بخير ؟
ابتسمت في وجوهم .ثم قلت :
_لم أكن يوما بخير كما أنا عليه اليوم .
نظر بعضهم إلى بعض وابتسامات التعجب والاستغراب ترتسم على شفاههم .قال الطاهر:
_صدق القائد أنت حقا وحش .
منذ حادثة المطبخ أصبح الكل يناديه :الوحش . وبسرعة البرق طغى اللقب على اسمه الحقيقي .عاد الوحش هذا المساء متأخرا من المرعى.هرع إليه الخادم حين رآه قادما من جهة الزريبة وقال:
_ سيدي القائد يريدك.
نظر إليه الوحش متسائلا:
_ما الأمر؟
_لاأدري ، المهم أسرع إنه في انتظارك .
اتجها إلى المقصورة . فتح الخادم الباب فدخل الوحش .وهويتساءل هل اجترح جريرة يريد القائد أن يعاقبه عليها؟حاول الخادم القابع خلف الباب أن يرهف السمع لعله يلتقط شذرات من الحوار الدائر بين القائد والوحش ، لكن دون جدوى . خرج الوحش . نظر إلى الخادم ، في عيني هذا الأخير قرأ رغبة جارفة في معرفة سردعوة القائد . لكن الوحش أجا به بابتسامة متهكمة ثم انصرف .

———————–

كاتب الرواية عزيز أمعي

كاتب الرواية عزيز أمعي