تلك الأيام – الحلقة الأولى

azizama3iriwaya

كان المقدم رحو وهو على متن بغلته مشغول البال، لايكاد ينتبه لبعض رجال القبيلة وهم  يرفعون أصواتهم بالسلام  كلما مر الرجل بجوارهم، أغلبهم  كانوا يحيونه من باب المجاملة القائمة على النفاق، ليس إلا. لكن الرجل لم يأبه لهم لأنه كان شارد الذهن  يفكر في اللقاء الذي ينتظره بعد قليل في بيت القائد عروب، لم يكن مطمئنا لهذه الدعوة ،التي سيحضرها جميع الشيوخ والمقدمين.

بعد سير حثيث بلغ مقر الاجتماع، رأى حشدا من الرجال مجتمعا عند باب بيت القائد، نزل عن ظهر بغلته ربطها، تم اتجه نحو زملائه المقدمين لعله يستشف منهم دواعي هذا الاجتماع الطارئ، لكنه بعد أن أخذ ورد معهم في الكلام، أدرك أنهم يجهلون الهدف من هذا اللقاء.

وبينما هو يحدث بعض زملائه، سمع أحد الخدم يطلب من الحضور أن يتفضلوا إلى الداخل، دلف الجميع إلى القاعة الواسعة الخاصة بالاجتماعات.

بعد مدة غير قصيرة من الانتظار دلف القائد، وقف الجميع، اتجه إلى صدر القاعة حيث يوجد الكرسي الخيزراني الكبير الخاص به، جلس، تأمل الملأ الواقف أمامه ، ثم أشار لهم بالجلوس، مسح لحيته السوداء القصيرة التي بدأ  الشيب يغزوها، ثم قال :

-         السلام عليكم

رد الجميع عل تحيته، تململ في مقعده ثم قال:

-         لا شك أنكم تتساءلون عن دواعي هذا الاجتماع الطارئ.

صمت ليرى وقع كلامه، وحين لم يسمع أي تعقيب قال:

-         لقد جمعتكم يا سادة لأخبركم أنكم تتهاونون في القيام بواجبكم، إهمالكم  صغرني أمام الفرنسيين.

لم يفهم أي من الرجال قصد القائد، لم يستطع أحد منهم استفساره مخافة أن يثير غضبه، ساد الصمت أكثر مما يجب، استجمع الشيخ زيدان كل شجاعته، مستغلا علاقة المصاهرة بينه وبين القائد وقال:

-         عفوا سيدي القائد، فلو تكرمت وأخبرتنا بدواعي غضبك منا.

-         الذي حدث يا زوج أختي هو أن القبطان بومبالي، اكتشف أن المتمردين، ينسلون إلى القرية ليلا، يتزودون بما يحتاجون إليه من زاد ومعدات ثم ينسلون دون أن يشعربهم أحد.

نظر الشيوخ والمقدمين بعضهم إلى بعض، غير مصدقين ما سمعوا، قال القائد متهكما:

-         لا تنظروا إلى بعضكم البعض كالأغبياء. أريد أن أعرف من الذي يحدث ومن يتعاون مع الثوار.

تحركت الرؤوس، بعدما عجزت الألسن عن قول نعم، تابع القائد:

-         أريد أن أعرف ما الذي يقع في هذه القرية اللعينة، وفي أقرب وقت.

 قال قوله ونهض اشارة إلى أن اللقاء  قد انتهى، خرج الجميع وهم يشعرون أن حملا ثقيلا قد أزيح عن كواهلهم، اتجه كل واحد منهم إلى مطيته، فجأة سمع المقدم رحو الخادم يناديه، استعاذ بالله وقال:

-         اللهم اجعله خيرا

اتجه نحوه، سأله قائلا:

-         خيرا إن شاء الله

-         القائد يريدك.

وقف المقدم مطأطئ الرأس، لم يدعه القائد للجلوس، تركه واقفا ينتظر، ثم قال:

-         أريدك في أمر هام

ظل المقدم رحو صامتا. تابع القائد :

-         أريدك أن تذهب إلى المدعو ميمون عكراد، أخبره أني أريد أن أشتري أرضه، عليك إقناعه بأي وسيلة.

-         حاضر سيدي القائد.

أومأ له القائد بالمغادرة، فانسل بكل  وهدوء.

 

 

ميمون عكراد رجل في العقد الرابع من عمره أو ينيف قليلا، طويل القامة دون إفراط، قوي البنية على الرغم من مظهره الذي يجعله أقرب إلى النحافة، متزوج  لم يرزق من زوجته سوى بمولود ذكر سماه محمدا على اسم أبيه.

محمد، ابن مريم الوحيد يناهز سن السابعة عشر، فتى جميل الصورة لدرجة أن النساء كن يقلن لمريم:

-         هذا الولد وسيم كان يجب أن يكون فتاة

وبالفعل فقدكانت ملامح محمد أقرب إلى الفتاة منه إلى الفتى، مظهره الخارجي لم يشفع له أمام أبيه الذي كان كل هدفه في الدنيا، أن يصبح ابنه رجلا كامل الرجولة لا شابا يتفاخر بجماله، وإذا كان ميمون شأنه في ذلك شأن جل سكان القرية حرم  نعمة التعلم، فقد حرص على أن يجنب ابنه آفة  الجهل، لذلك ما كاد ولده يبلغ السن المناسبة حتى أخذه إلى الكتاب. هناك قال للفقيه ابن الصديق:

-         هذا الولد أريده أن يحفظ كتاب الله، وأنا مستعد لكل طلباتك.

قال الفقيه:

-         أنا موافق، لكن بشرط.

-         اشرط ما شئت

-         لن أقبله إذا سمحت له بأن يلتحق بمدرسة الفرنسيين .

نبر ميمون  قائلا:

-         سامحك الله ياسي بن الصديق، أتظنني أرضى بأ ن يصبح ولدي الوحيد فرنسيا.

-         لا تغضب وضحت لك شرطي فحسب.

باستثناء القائد والموالين له، فإن السواد الأعظم من السكان، أجمع على مقاطعة هذه المدرسة الفرنسية. رفضهم لها كان منبعه الخوف على أبنائهم من ثقافة المحتل، كان الكل يخشى إذا ما التحق الاولاد بهذه المدرسة أن يخسروا أبناءهم إلى الأبد.

ميمون كان رجلا انطوائيا قليل الكلام، قلما يخالط الناس، وحين يفعل لا يشارك الآخرين أحاديثهم إلا عند الضرورة، أو حين يسأل عن أمر ما، يقضي سحابة يومه في الفدان الوحيد الذي ورثه عن أبيه، أوفي مقهى أبا هشوم صهره وصديقه الحميم.

وإذا كان لكل رأس نشوة كما يقال، فإن نشوة ميمون العظيمة كانت عشقه المفرط للنشوق (طابة)، هذا المسحوق السحري الداكن كان بمثابة الأكسيرالسحري الذي يعيد التوازن لأدمغة الرجال في القرية.

ذات يوم وهو يشذب أغصان بعض الشجر في حديقة بيته الطيني، إذ به يسمع ابنه يناديه:

-         أبي ..أبي

توقف عن التشذيب، التفت نحو ولده و قال:

-         ماذا هناك؟

-         المقدم روحو يريدك.

شعر ميمون بانقباض داخلي، تمتم قائلا:

-         اللهم أجعله خيرا

ماكاد يسير خلف ابنه بضع خطوات، حتى لمح المقدم رحو واقفا يمسك بزمام بغلته، هتف ميمون مرحبا:

-         أهلا بالمقدم رحو زارتنا بركة، تفضل إلى الداخل.

قال المقدم الذي أدرك أن ميمون يريد استضافته:

-         لاداعي للدخول  ياميمون، أنا على عجلة من أمري.

-         لا يمكن لا بد أن تشرفني في بيتي.

قال المقدم الذي وافق الاقتراح هواه:

-         بما أنك تصر فلا أملك سوى النزول عند رغبتك.

أدخل ميمون المقدم إلى غرفة أثاثها بسيط وهو يقول:

-         تفضل سي رحو…تفضل.

جلس الرجل وهو يتمتم عبارات الشكر، وضع وسادة خلف ظهره اتكأ عليها، قبالته جلس ميمون وقد ربع رجليه، استخرج من جيبه جوزة النشوق ثم قدمها للمقدم، تناولها هذا الأخير وهو يقول:

-         شكرا ..لكن أخبرني هل هي من الصنف الجيد.

ابتسم ميمون ثم قال:

-         لا..في مسألة النشوق أنت تعرفني، دماغي لا يتنازل عن الجودة أبدا.

قهقه المقدم ضاحكا ثم قال:

-         هذا ظني بك دائما.

في هذه الأثناء دخل عليهم محمد، نظر إليه المقدم ثم قال:

-         ما شاء الله لقد أصبح محمد رجلا بحق.

أجاب ميمون مبتسما:

-         بالنسبة للطول نعم، بالنسبة للرجولة فلا يزال أمامه الكثير .

قال المقدم معترضا:

-         محمد رجل بل سيد الرجال أنا متأكد من ذلك.

شكر ميمون المقدم ثم التفت نحو ابنه وقال:

-         هيا ..انظر أمك ماذا أعدت لنا من طعام؟

غاب محمد هنيهة ثم عاد، يحمل صحنا عليه حرشة كبيرة، فوقها كتلة من السمن كأنها رأس وليد في أسبوعه الأول. وضع محمد الصحن على الطاولة، وقبل أن يدعو ميمون ضيفه للأكل، جاء محمد بإناء وطاسة فيها ماء فاتر، غسل المقدم يديه شاكرا، ثم تقدم نحو الصحن، أكل وهو ينوه بين مضغة وأخرى بمهارة مريم في إعداد هذه الحرشة اللذيذة.

أكل المقدم حتى اكتفى، غسل يديه مسحهما بالفوطة، شكر ميمون ثم عاد إلى جلسته السابقة، ساد الصمت، قدر المقدم أن الوقت قد حان ليخوض في الموضوع الذي جاء من أجله، اعتدل في مجلسه ثم قال:

-         الحقيقة أنني جئت إليك موفدا من قبل السيد القائد.

-         خيرا إن شاء الله، قال ميمون.

قال المقدم:

-         خير..خير .. باختصارالقائد يريد أن يشتري منك أرضك.

نبر ميمون فزعا:

-         أي أرض؟

-         طبعا، فدان عين الشعبة.

هتف ميمون وقد تأكدت مخاوفه:

-         كيف هل يريدني القائد أن أبيع مورد رزق عائلتي الوحيد؟

-         لابأس بإمكانك أن تشتري حقلا آخر بالثمن الذي سيمنحك إياه القائد.

نظر إليه ميمون بغضب، تمنى لو لم يكن المقدم في بيته، حينها كان سيتصرف معه بطريقة أخرى تليق بعرضه الوقح، المقدم رحو قرأ ما يجول في ذهن ميمون، هويعرف أن ميمون سريع التهور وأن أرضه أغلى عنده من الولد، لكن ما العمل فهو عبد مأمور والقائد أمره بالتفاوض مع ميمون على الأرض.

طال صمت ميمون أكثر مما يجب، ولكي يقيس المقدم مدى قبول أو رفض ميمون لما اقترحه عليه، قال:

-         بإمكان أن تأخذ يوما أو يومين للتفكير

قال ميمون بصرامة حاسما أمره:

-         أرضي ليست ابنة لي أريد تزويجها حتى آخذ مهلة للتفكير، قل للقائد، أرضي ليست للبيع والسلام.

نهض المقدم، ثم قال:

-         أرجو أن تكون قد فكرت في نتائج هذا الرفض.

ولثاني مرة تمنى ميمون لو أن المقدم لم يكن في بيته، عندها كان سيوسعه ضربا، لكنه ضبط أعصابه وقال:

-         ميمون لا يخاف التهديد، أرضي ليست للبيع وأنا مستعد للموت من أجلها.

 

————-

DSC_07370

عزيز أمعي