رواية وريخا: 25

ma-press-09

بعد أيام قليلة ،وبينما كان يعد وجبة العشاء ، سمع طرقا على الباب ، ظن أن أحد أصدقائه أوهم معا جاؤوا للسمر معه .صاح وهو منهمك في قطع فصوص البصل:ادخل .
سمع الباب يفتح، ثم يغلق دون .انتظر أن يسمع صوت أحد من أصدقائه لكن شيئا مما توقعه لم يحدث .
خرج من المطبخ والسكين في يده ، فوجئ وهو يرى وريخا على هيأتها المعتادة تجلس وحيدة في قاعة الاستقبال .كانت وريخا ومنذ أن كشفت سرها أمامه ،لا تزوره إلا على هيئتها الحقيقية .لذلك حين رآها في جسد الرجل الذي تسكنه استغرب كثيرا .قرأت وريخا ما يجول بدهنه وقالت :
_يبدو أنني فاجأتك .
قال حسن وهو يدنو منها ويضع السكين على الطاولة :
_ الحقيقة نعم ، لم أتوقع أن أراك في بيتي على هذه الهيئة .
قالت :
_لقد جئتك كما يعرفني الناس لأن الأمر يتطلب ذلك .
_ماذا تقصدين ؟
صمتت مليا ، نظرت إليه وهي تبتسم ثم قالت :
_أخيرا وافقت السلطات في بلادي على قدومك .
صاح حسن :
_أصحيح ما تقولين .
_نعم ..والكرة الآن في مرماك فهل لازلت متحمسا للعبور إلى مملكة الخفاء ؟
ساد الصمت باغته سؤالها .حاول أن يتكلم لكنه عجز لسانه عن النطق ، الحقيقة أنه لم يكن خائفا ، فمنذ أن تطورت الأمور إلى ما تطورت إليه وأصبح في حكم المتزوج من وريخا وهو يستعد لهذه اللحظة ، التي كان في أوقات كثيرة يراها غير ممكنة التحقق .كثيرا ما كان يخيل له وهو يفكر في الأمر أنه يعيش إحدى حكايات شهريار التي كانت ترويها لشهرزاد ، وأنه بعد أن ينصرم الليل ، ستنتهي الحكاية ،ليعود إلى الواقع الذي لا يعرف مثل هذه الخرافات .لم يكن خائفا لأن ثقته بوريخا كانت قد ترسخت لكي لا تترك أي مجال للقلق أو الخوف ، خاصة بعدما رآها كحقيقة لا مراء فيها ، وقضى معها ما يكفي من الوقت ليطمئن أن لا خطر عليه . ما كان يشعر به ويؤثر على مشاعره ، هو التفكير في هذه التجربة التي ربما لم يعشها أحد من الأنس ، قد يكون آخرون عاشوها لكن بدون شك هم قلة قليلة .اجتاحت دماغه العديد من التساؤلات ،طفقت تنثال على ذهنه كالمطارق :كيف سينتقل إلى هذا العالم اللامرئي ؟ وبأية طريقة ؟هل ستكون وريخا برفقته أم أن مسألة العبور سيتكلف بها غيرها من الجن ؟ هل هو قادر على التأقلم مع ما سيرى هناك ؟وكيف سيتعامل مع مجتمع الجن وكيف سيتواصل معهم …هذه الأسئلة وغيرها هي ما كان يفكر فيها حسن .سمع وريخا تقول :
_ما الأمر يبدو أن شجاعتك قد خانتك حين أزف وقت العبور .
قال حسن نافيا عنه التهمة:
_ لا..لا لست خائفا أنا مستعد ،معك أنا مستعد لأي شيء، ما عليك إلا أن تحددي ساعة الصفر .
_لقد تم تحديد الوقت .
_متى؟
_هذه الليلة .
نظر إليها حسن وقد اتسعت حدقتاه ،وقال :
_الليلة .
_نعم الليلة .
_كان عليك أن تخبريني كي استعد .
قالت بجد :
_ أنا نفسي لم أتوصل بالقرار سوى اليوم .
صفن حسن هنيهة ثم قال :
_وأنا مستعد .
لم يشأ حسن أن يفكر كثيرا حتى يفوت على نفسه أي محاولة مهما كانت ضئيلة للتراجع .
قالت وريخا :
_ بهذه المناسبة يمكن أن تلغي ما أنت بصدد الإعداد له من طعام ، لأنك مدعو عند أهلي للعشاء.
كانت تريد أن تضيف طبعا ، إذا بقيت لك شهية لتناول الطعام .
سألها حسن :
_وكم ستطول مدة غيابي .
قالت وريخا :
_الحقيقة قد تقصر أو تطول حسب الحاجة .
فكر حسن في ارتباطه الوظيفي وقال:
_لكن مدير المؤسسة سيطلب مني تبريرا لغيابي .
قالت وريخا :
_ لا تهتم ،عند عودتنا سأتولى أمر المدير .
ابتسم حسن وقال :
_يبدو أن يدك أطول مما قدرت .
ابتسمت وريخا بدورها وقالت ك
_ أكثر مما تتخيل .
هب وقفا وقال :
_انتظريني لحظة .
دخل إلى غرفة نومه ، غير ملابسه ثم خرج .قال وهو ينظر إلى وريخا بتصميم :
_هيا بنا .
خرجا معا أقفل حسن الباب وهو يتمنى أن لا يهل أحد من أصدقائه .كي لا يضطر للكذب عليه إذا ما سأله إلى أين يذهب مع وريخا في مثل هذا الوقت ؟
ركب السيارة إلى جوار وريخا ،قالت هذه الأخيرة وهي تنظر إلى حسن مبتسمة:
_هل أنت مستعد ؟
أومأ برأسه دون أن يجيب .سارت السيارة ببطء تتبع أضواءها ،كأنها غريب حط بأرض لا يعرف مساربها .لاحظ حسن بعد مرور وقت قصير أن وريخا تتجه نحو نهر-بوسافو-، كانت قد أخبرته فيما سبق أن مملكة الجن ، تقع في تخوم هذه المنطقة الغابوية التي يخترقها أهم نهر في المنطقة .لذلك كان يتساءل كيف يمكن لعالم آخر أن يتواجد في منطقة جبلية ،مكسوة بالغابات ويجاورها نهر متواضع مثل هذا النهر .
سارت السيارة تتوغل بين الأشجار ، لم يتبادل حسن ووريخا.بقي صامتا ينتظر نهاية هذه الرحلة الغريبة . توقفت السيارة أمام دغل كثيف انتهى عنده المسلك .أخمدت أنفاس السيارة ، التفتت نحو حسن قالت وهي تفتح الباب :
_انزل .
نزل حسن ، كان الظلام الدامس يغلف المكان ، الأشجار وسط العتمة كانت تزيد الفضاء وحشة وغربة .أصوات بعض الحيوانات كالبوم والسناجب تمزق أوصال الصمت .قالت وريخا دون أن تنظر إلى حسن :
_اتبعني .
سار خلفها ، لاحظ أن إيقاع سيرها طفق يرتفع ،وجد صعوبة في مجاراتها خاصة وأن الظلام الدامس كان يحجب الرؤية ، أما هي فكانت تسير كأنها تسير في وضح النهار كان خرير المياه ينتهي إلى مسمعه ، وحين بلغا أهداب النهر توقفت عن السير ،قالت وريخا :
_ها هو النهر أمامنا .هذا النهر هو الحد الفاصل بين عالمنا وعالمكم ، أريدك الآن أن تغمض عينك وأن لا تفتحهما حتى أطلب منك ذلك .
نظرت إليه كأنها تريد أن ترى وقع كلامها عليه ، ثم قالت :
_ اتفقنا .
رد حسن وهو يحاول أن يظل هادئا :
_ اتفقنا .
_إذن أغمض عينيك وهات يدك .
أغمض حسن عينيه ،أمسكت كفه . فجأة شعر بنفسه يهتز بقوة وسرعة خاطفة ،اجتاحت جسده حرارة مفرطة .وفي أقل من لمح البصر توقف كل شيء .بقي واقفا ينتظر .سمع صوت وريخا يأتيه من بعيد :
_لن أكون معك واصل السير أمامك .لا تهتم لأي شيء يعترض طريقك.وبعد ذلك ستجدني في انتظارك .والآن بإمكانك أن تفتح عينيك .

———————-

كاتب الرواية عزيز أمعي

كاتب الرواية عزيز أمعي

تنويه:
انتهى بحول الله وقوته الجزء الأول من هذه الرواية شكرا لكل من تابعها وشجعها .