رواية وريخا: 18

ma-press-09

غمر الصمت القاعة ساد التوتر .وريخا بدورها بدا عليها الإحراج ، قال علي الذي بدا أنه يتحدث وفق مخطط واضح ومصمم على الذهاب بهذا المخطط إلى أبعد مدى:
_هه ما رأيك فيما قلت يا صديقتنا العزيزة ؟
ابتسمت وريخا وقد علا وجهها احمرار وردي ، ثم قالت :
_وما رأي حسن ،الذي أراك تتحدث باسمه ،في هذا الاقتراح.
التفت علي نحو حسن وقال :
_ ما رأيك يا ابن خالتي ؟
قال حسن وهو لا يدري أ يضحك أم يغضب :
_آه منك يا عمرو بن العاص .1
قال علي :
_من هو عمرو بن العاص هذا ؟
_شخص مثلك غدر بصاحبه في الاتفاق ، فاغتال الديمقراطية لدى المسلمين في المهد .
_وهل غدرت بك أنا ؟
_بل غدرت بنا جميعا ، ألم نتفق أن نعرض مسألة الزواج على وريخا ونترك لها حرية أن تختار واحد منا ؟
قال علي :
_ صدقت .لكن لكي أختصر المسألة ،اقترحت عليها اسمك .لأني بصراحة أراك أهلا لها .ثم التفت إلى وريخاوقال :
_ طبعا إذا لم يجد اقتراحي هوى في نفسك فيمكنك رفضه .
قالت وريخا بعد فترة صمت غير قصيرة،وهي تنظر أمامها :
_إذا كان الأستاذ حسن يود الزواج مني فليس عندي أي اعتراض .
صفق علي بيديه وهو يضحك ثم قال :
_صدقتم الآن بأني خبير بأسرار القلوب .
اتجهت العيون إلى حسن تترقب رده ، قال بعد أن تأمل وريخا مليا كأنه يحاول أن يجد القرار الصائب:
_وأنا موافق ،لأن أهلنا يقولون :نعل الله الرجل الذي قالت له امرأة تزوجني ولم يتزوجها .ونعل الله الرجل الذي قالت له امرأة طلقني ولم يطلقها .
قال علي :
_ لا فظ فوك ، إذن فلنقرأ الفاتحة .
قال حسن وهو يشير لابن خالته معترضا:
_قبل أن نقرأ الفاتحة لابد أن أسأل وريخا هل لديها شروط قبل أي التزام مني ومنها ؟
أجابت وريخا بدون تفكير :
_إذا قدر لنا الزواج فلا أشترط عليك سوى شرط واحد وهو أن لا تتزوج بعدي بإنسية .
قال حسن :
_أنا مواقف على شرطك ..لكن أنا بدوري لدي شروط .
قالت وريخا :
_وأنا على استعداد لسماعها :
نظر حسن إلى أصدقائها ثم حول بصره إليها ، صفن هنيهة ثم قال :
_ الزواج إذا قدر الله أن يتم بيننا ، سيقوم على الأسس التالية :أولا أنا سأتزوج من وريخا ، ولا علاقة لي بمحمد بن بلقاسم ، أو الخشبة كما تسميه أنت . ثانيا لن أدخل بك قبل أن أراك ماثلة أمامي أنثى كباقي الإناث . ثالثا ،أن لا تظهري أمامي سوى على صورتك الأصلية التي خلق بها الله .رابعا بعد الزواج سأطلب منك طلبا واحدا لا غير هو أن يراك والدي ،فهو رجل أحبه وأحترمه ، وهو فقيه حافظ لكتاب الله ، وله مكانة محترمة بين أهل عشيرته .خامسا وأخيرا أن لا تذهبي إلى أهلك دون إذني . هذه هي شروطي ، فإذا وافقت عليها فأهلا وسهلا، وإذا رأيت فيها أي صعوبة فلا حرج عليك .
خشي الأصدقاء أن تكون شروط محمد مجحفة ، مما سيجعل وريخا ترفض الاستجابة لها . فجأة سمعها الجميع تقول :
_لا بأس أنا موافقة على كل شروطك .
صفق الأصدقاء ، نهض علي توجه إلى وريخا قبل رأسها وهو يقول :
_هذا أسعد خبر سمعته في حياتي .
انهالت التهاني على حسن ووريخا من قبل باقي الأصدقاء ،وبعد أن هدأ الجميع .قال علي :
_إذن لنقرأ الفاتحة .

ما حدث حدث بسرعة لا تصدق ،تساءل حسن وهو وحيدا في بيته ، هل حقا أعطى وريخا وعدا بالزواج .هل يعقل هذا ؟وما الذي دفعه إلى أن يساير عليا في جنونه ، ويوافق على الارتباط ، بكائن افتراضي لا يملك إلى حدود الآن الدليل على وجدوده ؟
لعها بقية حماس وحب للمغامرة مما اكتسبه في المدرسة العسكرية ، أو لعلها رغبة في التحدي وحب المعرفة وسبر سر هذا الشخص الذي يدعي أنه مسكون من لدن جنية .
لا شك أن هذا هو الدافع الأساس في قبول اقتراح علي ،ولم يكن أمامه من سبيل لمعرفة الحقيقة سوى هذا الطريق. ولعل علي وباقي الأصدقاء كانوا في المضمر مهوسيين بمعرفة الحقيقة ، ولم يجدوا أحسن منه لينوب عنهم ، في تأكيد أو نفي هذه الأسطورة التي داع صيتها في شتى ربوع المملكة .
ود لو كان بإمكانه التراجع عن وعده ، لأن ما كان مقدما عليه كان محفوفا بالإحراج ومفتوح على المجهول. القرية صغيرة ودرهم من الجاوي كما يقال كاف ليبخر أقصى ركن فيها .ما ذا سيكون موقف المدير والأساتذة منه ؟ حتى التلاميذ كيف سينظرون إليه حين يصلهم الخبر ؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1-اشارة إلى التحكيم الذي حدث بين الاشعري وعمر بن العاص ، حين انتذبا للتحكيم بين علي بن أبي طالب وعاوية بن أبي سفيان

كاتب الرواية عزيز أمعي

كاتب الرواية عزيز أمعي