رواية وريخا: 15

ma-press-09

قبل البدء:

بعد توقف طال أكثر مما يجب نعود لإتمام رواية وريخا، أرجو من كل من تابع حلقاتها أن يعذرنا لأن التأخر كان خارجًا عن إرادتنا، كما أوجه الشكر لكل من شجع هذا العمل المتواضع.

الحلقة رقم 15

 فوجئ حسن بهكذا تصرف ،تساءل وهو بين الدهشة والاضطراب لماذا خصته وريخا هو وحده من بين كل الحاضرين بهذه الحظوة .سؤال أخر شعر به ينسرب بين تلافيف دماغه قائلا:  ألم تتعمد وريخا  أن تدني ثغرها من جانب  ثغره ، كأنها تروم أن تطبع قبلة على  شفتيه دون أن ينتبه لها أحد . هل  ما حدث حدث صدفة ، أم أنها تعمدت ذلك  ؟

حين وقف إلى جوار رفاقه قال علي مبتسما  :

_ أنت محظوظ يا سيدي ، سلمت عليك وريخا سلاما لم نحظ بمثله .

لم يعقب حسن ، بينما راح أصدقاؤه الآخرين ،يمازحونه أيضا . قبل أن ينتهي الحفل بقليل غادر الأصدقاء بعد أن تركوا لدى الخادمة  مبلغا ماليا وضعوه في ظرف كتبوا عليه أسماءهم .

في البيت اختلى حسن بنفسه  وراح يسترجع  شريط أحداث الحفل بكل تفاصيلها   .كانت تستوقفه تلك اللقطة التي  يرى نفسه فيها وهو يسلم على وريخا.شفتاها تلامسان شفتيه ، ينتابه شعور هو مزيج من الحيرة والاستغراب ،كانت شفتا هذا المخلوق الغريب ،لها طعم شفتي  أنثى .تساءل  كيف تسنى له أن يشعر بهكذا إحساس وهو يسلم على  رجل كباقي الرجال ؟لكن على الرغم من مقاومة الاحساس الذي انتابه فإن أثر القبلة ذات النكهة الانثوية كان لا يزال نسغها يداعب شفتيه .

طفق الفأر يلعب بعبه ، تذكر ما قالته وريخا عن فدوى ،حين زعمت أن الفتاة سحاقية .تساءل ألا يكون  هذا الشخص الذي يمتلك ذكاء فائقا وقدرات خارقة ، مكنته من  اختراق هذه البيئة  ليصبح مقبولا من أهلها، مجرد دجال خطير ذو ميول جنسي منحرف يجهله الجميع.

لقد تعلم في الأكاديمية الحربية ،أن ما لا يثبته العلم لا يمكن للعقل أن يقبله  .لأن المشاعر الجياشة من خوف وانفعال بسبب فرح أو حزن، ممكن أن تجعل المرء يرى أشياء لا وجود لها في الواقع .والجندي إذا ترك عنان نفسه لهواجسه ومخاوفه سيكون عدوا لنفسه قبل أن يكون عدوا للآخر .لذلك لا يجب أن نترك لأي عامل نفسي مهما كان تأثيره أن يحول دوننا ودون الحكم العقلي المبني على معطيات علمية لا تقبل الشك .

إذن هل يترك كل ما تعلمه في الأكاديمية ، ليستسلم لما يشاع ويقال عن شخص يدعي أن كائنا أثيريا يسكنه ، وهذا الكائن ماهو إلا جنية اسمها وريخا ،قررت في لحظة جنون أن تلتحق بعالم الإنس لتصبح جزءا منه .إن قوانين العقل والعلم ترفض القبول بذلك بالبث والمطلق .ومادام لا يملك أي دليل مادي على صحة ما أصبح أغلب الناس يسلمون به ،فما عليه سوى أن يترك مسافة بينه وبين هذا الشخص المدعو محمد بن بلقاسم.حتى لا يصبح بدوره ضحية أحكام انطباعية ، ربما جعلت زملاءه الأساتذة يسخرون منه .

هذه القناعة التي لعب العقل دورا مهما في تشكيلها ، سرعان ما عاد الشك يتسلل إليها ،وذلك حين طفق يتذكر  تلك الأمور الخارقة التي قامت بها وريخا والتي عاينها بأم عينيه . كان الرفاق يطلبون منها مطالبا خارقة سرعان ما كانت تحققها لهم  بسرعة مذهلة .ثم ما حدث في الحفل ، نعم ما حدث في الحفل كان أمرا لا يصدق عاينه الكل واندهش له الجميع .أزهار بألوان وأشكال مختلفة   تتساقط  كندف الثلج  دون أن يتمكن أي من الحاضرين رؤية من الذي يلقي بها .هل كان الجن من أهلها هم من يلقون بهذه الزهور ، أم أن محمد كان يملك قدرات سحرية هائلة تمكنه من التلاعب بعقول وأبصار الحاضرين  ؟

بقي حسن يفكر في هذه الأمور وهو مستلقي على فراشه إلى أن سيطر عليه النوم دون أن يتوصل إلى أجوبة مقنعة لأسئلته .

في الصباح أستيقظ على وقع طرق على الباب ، انسل من فراشه ثم اتجه إلى الباب ،ما كاد يفتحه حتى قال علي وهو يدخل دون استئذان :

_ ما هذا الوقت أيها الكسول .

سأله حسن وهو يتثاءب :

_كم الساعة الآن

_لقد تجاوزت التاسعة ، كنت أظن أن الجنود يستيقظون قبل صياح الديوك .

ابتسم حسن وقال :

_يبدو أنني تأقلمت مع الوظيفة بأسرع مما كنت أتوقع .ثم أن اليوم هو يوم أحد فما الداعي للاستيقاظ باكرا .

ضحك علي وقال :

_ أنا يا سيدي استيقظت باكرا ،وخلال لقائي ببعض معارف وريخا الخاصين .اقتنصت خبرا لم استطع الانتظار طويلا قبل أن آتي إليك وأخبرك به .

نظر إليه حسن باهتمام ثم قال :

_ما الأمر ؟

لن أخبرك به قبل أن تغسل وجهك ثم تهيئ لنا فطور ا شهيا .

قال حسن:

_ على الرأس والعين .

وبعد نصف ساعة كان علي يشارك ابن خالته طبقا من البيض المطبوخ في السمن ،مع طبق صغير به عسل من النوع الجيد ، إضافة إلى زيت الزيتون .أفرغ حسن كأسين من القهوة الممزوجة بالحليب ثم أشار إلى علي قائلا :

_ تفضل ، يبدو أنك لم تتناول فطورك بعد .

ابتسم علي وقال :

_أبدا لقد تناولت فطوري في السابعة .لكن حين وجدت الكسلاء لم يفطروا بعد ،اشتهت معدتي فطورا آخر .

ابتسم علي وقال:

_مقبولة منك يا سيدي ، كل ..كل بالهناء والشفاء .

حين انتهيا من الفطور ، سأل حسن عليا :

_ هه ..والآن  هل لك أن تفصح عن الخبر الذي سلطك علي هذا الصباح .

ابتسم علي وقال :

_الأمر يتعلق بوريخا .

صفن علي ، وبقي يتأمل حسن كأنه يريد أن يثير شهيته لمعرفة المزيد .قال حسن :

_ما بها وريخة ؟

_بالأمس وبعد انتهاء الحفل ، تقدم شخص ما لطلب يدها .

سيطرت الدهشة على حسن وهو يسمع هذا الخبر.سأل علي  :

_ هل أنت متأكد مما تقول ؟

_ لو لم أكن متأكدا لما أخبرتك .

ساد الصمت لفترة غير قصيرة ،قال علي :

_ما رأيك ؟

قال حسن وهو يبتسم :

_يبدو أن الناس جنت أكثر من وريخا نفسها .

قال  علي باستغراب :

_ولماذا ؟

_لأني ولحدود الآن لا زلت غير مقتنع بمزاعم  هذا الشخص الذي يزعم أن جنية تسكنه .

قال علي :

_كيف تأبى أن تقتنع ، وقد رأيت من أمرها ما رأيت ، وبالأمس ألم يسلم من حضر بهذه الحقيقة حين رأى الجميع الأزهار تتهاطل كالمطر من السماء .

قال حسن :

_كل هذا رأيته ،والجن كما ورد في القرآن أومن به ، لكن عقلي لا زال يشك في أمر هذا المخلوق العجيب .

قال علي وكأنه يتحدى حسن :

_وما قولك في هذا الشخص الذي بلغ به اليقين درجة جعلته يتقدم لطلب يدها .

ضحك حسن وقال :

_هذا الشخص مجنون رسمي .

قال علي وقد بدت عليه ملامح الجد :

_وإذا كسب هذا الشخص الرهان ،ووجد نفسه يتزوج حقا بجنية، عندها ماذا ستقول ؟

قال حسن والابتسامة لا زالت مرتسمة على شفتيه :

_ عندها أقول ما قال الشاعر ابن الرومي : وفاز باللذة الجسور .

ثم ضحك وأضاف :

_بل سأقول وفاز باللذة المجنون .

لم يبتسم علي ولم يجار حسن في مزاحه ، بل قال  :

_اسمح لي أن أخالفك الرأي ،لا بد أن نتصرف بخصوص هذه المسألة .

قال حسن وهو ينظر إلى ابن خالته كأنه يراه لأول مرة :

_ماذا تعني ؟

_أعني أننا يجب أن نمع هذه الخطوبة .

زاد استغراب حسن :

_ولماذا ..

ثم أضاف وهو يبتسم :

_هل تنوي أن تتقدم لخطبتها ؟

_لا ..عندي اقتراح أفضل .

_ما هو ؟

_اقتراحي سأفصح عنه حين يحضر باقي الأصدقاء .المهم هو أن نمنع وريخة من الموافقة على الخطبة.

———–

كاتب الرواية عزيز أمعي

كاتب الرواية عزيز أمعي