رواية وريخا: 14

ma-press-09

وريخا 14

أومأت وريخا برأسها مؤمنة على قوله  ، ثم أضافت:

_هذه الفتاة لن تتزوج مبكرا ، وحين يأتيها النصيب  تحت إلحاح أهلها ستطلق بسرعة، و لن تعرف الاستقرار مع أحد أبدا .

ساد الصمت تعلقت العيون بحسن ،شعر هذا الأخير كأن حجابا أزيح عن ناظريه ،أشياء كثيرة كان يلفها الغموض بدأت تتضح له ،وجد نفسه يعود بذ كرياته مع فدوى إلى الوراء ، تصرفات الفتاة المبهمة والجافة معه ،أصبحت  الآن ذا ت معنى ومفهومة بشكل لا غبار عليه .

شريط الذكريات أعاده إلى  أحد أيام فصل الربيع  كانا جالسين في مقهى جميل تحف به حديقة غناء تتراقص الطيور على أفنان أشجارها  .قالت فدوى وهي تتأمل تلك الطيور الجميلة  تحلق بعيدا في السماء ثم تعود إلى الحديقة وأصواتها الموسيقية العذبة تنعش المكان :

_انظر حسن إلى هذه الطيور ما أجملها .مرات عديدة أتمنى لو كنت طائرا أحلق بحرية حيث أشاء .

قال حسن :

_ لاشك أن الطيور تتمتع بقدر كبير من الحرية قد يفتقد ه الإنسان وهذا هو الجانب الايجابي لديها . لكن في القابل لا بد أن تقري بأن الطيور لا تعيش طويلا .

قالت دون أن تنظر إليه:

_نحن أيضا لا نعيش طويلا .

_صحيح ..لكن ما منحنا الله من وقت كافي لنحب ونتزوج وننجب .

التفتت إليه ،غرست نظرها في عينيه وقالت :

_لا أختلف معك في مسألة الحب ، لكن هل من الضروري أن نتزوج ؟

ضحك حسن وقال :

_حقا أنت فتاة غريبة .

تدرج خداها بحمرة وردية زادتها فتنة وجمالا، ثم قالت :

_لماذا تسخر مني ، ما قلته ليس غريبا ، أنا حقا أتساءل هل الزواج قدر لابد منه .

 ضحك حسن ملأ شدقيه وقال :

_هل أنت عازمة على الصوم عن الزواج .

قالت بجد :

_صدقني لو كنت في بيئة أخرى لما تزوجت أصلا .

سألها حسن باندهاش :

_غريب ..على حد علمي كل فتاة تحلم بالارتباط  وبليلة الزفاف …

قاطعته :

_إلا أنا .

قال حسن :

_هل أفهم من هذا أنك لا تريدين الارتباط بي ؟

نظرت إليه مليا ، ثم قالت :

_اسمع يا حسن .أنت شاب وسيم وذكي ، وأبي يحبك كثيرا .لا أنكر أني أعزك وأحترمك .

صفنت هنيهة ثم تابعت :

_ كثيرا ما تمنيت لو أنك فتاة كانت صداقتنا ستكون أجمل وأروع .

قال حسن وقد حيره قول فدوى :  

_ولماذا لا تكون علاقتنا أروع وأجمل ،ونحن زوجان يبدلان كل ما في وسعهما كي سيسعد أحدهما الآخر .

قالت وقد تغير صوتها :

_لأني كما قلت لك أكره الزواج .

الآن وقد صفعه قول وريخا ،استيقظ على أمور وإشارات كان غافلا عنها  توضحت له الصورة وبان المعنى ، وأدرك ما الذي  كانت تخفيه فدوى . فدوى الجميلة العذبة  التي أحبها بصدق ،وظن أنها ستكون زوجته وأما لأولاده .لم يتخيل للحظة أن مثل هذه الفتاة الرائعة يمكن أن تكون ذات ميول جنسية منحرفة . كيف يمكنه أن يفكر في هكذا احتمال ، وهو لا يعتقد أن مثل هذه الظاهرة موجودة في مجتمعه .  

أعاده صوت علي إلى مسرح الواقع قائلا :

_ما قولك يا حسن هل نجحت مضيفتنا في الامتحان.

قال حسن بصوت جاد :

_ أعترف بأن كل ما قالته صحيح ،و أقر أنها تحدثت عن أشياء لا يعلمها أحد سواي بل وحتى أشياء لم أكن أعلمها ، بل كانت غائبة عن ذهني إلى  أن توضحت لي الآن .

لاحظ أصدقاؤه  ،أن حسن تحدث ولأول مرة عن وريخا  بصيغة المؤنث .

في هذه الأثناء جاءت الخادمة ، قالت تخاطب سيدتها :

_العشاء جاهز .

قالت وريخا :

_احضري الطعام .

غابت المرأة ، التفتت وريخا إلى ضيوفها وقالت :

_دعونا نتناول وجبة العشاء ، وبعد ذلك ننصرف  للسمر  وإذا كان هناك مزيد من الأسئلة ، قالت ذلك وهي تبتسم ،أنا مستعدة للإجابة .

بعد أن انتهوا من الأكل جمعت السفرة .قال حسين وهو يداعب بطنه :

_ما أطيب هذا الأكل .

ابتسمت وريخا وقالت :

_هل أعجبك طعامنا ؟

قال حسين مبتسما :

_ لم أكن أظن أن الجن ماهرون في الطبخ إلى هذا الحد .

ضحك الجميع ، قالت وريخا :

_وأنا أعدك مستقبلا بوجبات ألذ وأطيب من هذه .

كلامها كان إشارة إلى رغبتها في بناء صداقة مع هؤلاء الشباب الذين استلطفتهم كما استلطفوها .قال علي :

_شرف لنا  أن تنضمي إلينا صديقة نفتخر بصداقتها .

ابتسمت وريخا وقد بدا الرضى في نظرتها، ثم قالت  :

_ يسعدني أن أكون واحدة منكم ، طبعا إذا لم يكن هناك من معترض .

قال حسين متحمسا :

_أبدا ..أبدا يشرفنا أن تصبحي صديقتنا وواحدة منا .

قالت وريخا مازحة :

_لكن في بلادي  يقولون وأعتذر عن قولي أن الإنس لا يؤتمنون على صداقة .

تدخل محمد قائلا :

_لم نكن نظن أن سمعة الإنس عندكم بهذا السوء .

ضحك الجميع ،ثم قال حسين :

_قد ينطبق ما قلت على غيرنا أما نحن فالحمد لله صداقتنا متينة وستصبح أمتن بانضمامك إلينا .

قالت وريخا :

_إذا كان الأمر كذلك ، فلنتعاهد على ذلك .

مدت يدها فعل الرفاق مثلها ، ثم أقسم الجميع على الوفاء لهذه الصداقة التي انضاف إليها عنصر جديد .

 

توالت اللقاءات بين وريخا وشلة حسن ،بعدما توطدت العلاقة بينها وبينهم .أثناء ذلك  اقترح حسين وضع نظام داخلي لجماعتهم ، هذا النظام تتحددت بموجبه المسؤوليات في الأفراح والأتراح ، وختموا قرارهم بالاتفاق على اللقاء نهاية كل أسبوع بشكل دوري في بيت أحدهم للسهر والمسامرة .

انضمام وريخا إلى رفاق حسن ،منح الجماعة نفــــــــــــــــسا جديدا وحماسا أكبر  .أصبح الكل ينتظر نهاية الأسبوع بشوق كبير للقاء بها ليكتشفوا المزيد من أسرار الجن  .

كانت وريخا تشعر برغبة الرفاق في معرفة المزيد عن مملكة الخفاء ، لكنها كانت تتحفظ بلباقة الخوض في هكذا حديث ، كانت تطمح لجعل علاقة الصداقة بينها وبين هؤلاء الشباب علاقة إنسانية بكل ما تحمل الكلمة من معنى بعيدا عن كل أسرار أهلها .

هذا لم يكن يمنع طبعا وفي بعض الأحيان، حين يحلو السمر ،أن تتحفهم وريخا ببعض القفشات التي كانت تثير إعجابهم  وتجعلهم يزدادون إيمانا بأن هذا الشخص بالفعل تسكنه جنية لا شك في ذلك .

كان الرفاق يقتنصون تلك الفرص التي تكون فيها وريخا رائقة ،فيطلبون منها أن  تحظر لهم فاكهة ما حتى وإن كان الفصل ليس فصل تلك الفاكهة  .تجيب  :

_ على الرأس والعين .

ودون أن يدري الرفاق كيف يحدث الأمر ، يوضع الطلب بين أيديهم .يسألونها أيضا عن شخص ما في مدينة ما ، فتخبرهم عن مكان وجوده وما الذي يفعله في لحظة السؤال .يتصلون هاتفيا بالمعني بالأمر فيؤكد كل ما قالته صديقتهم الجديدة .أصبح الشك الذي كان يراود بعضهم وخاصة حسن يقين لا مراء فيه .وأصبح الجميع ينادي محمد  الذي كانت تسميه رفيقتهم الخشْبة وريخا .

ذات ليلة وبينما كانوا مجتمعين في بيت حسن ،أخبرتهم وريخا أنها بعد أسبوع سيكون عيد ميلادها ، بعدما هنأها الجميع .قال حسين متحمسا :

_ما رأيكم يا شباب لماذا لا نحتفل بهذه المناسبة .

أمن الجميع على قوله ، شكرتهم وريخا قائلة :

_أشكركم على اهتمامكم وحماسكم .الحقيقة لم يسبق لي أن احتفلت بعيد ميلادي بين الإنس لكن هذه السنة ستكون استثناء إكراما لكم .

شكرها الرفاق الذين غمرهم الحماس وطفقوا يتحدثون عن الترتيبات ، لكن وريخا طلبت منهم أن لا يهتموا للأمر و أن يكونوا ضيوفها فحسب .

في اليوم المحدد الذي انتظره الأصدقاء بفارغ الصبر ، اتجه الجميع نخو بيت وريخا .استغرب حسن وأصدقاؤه  للجمهور الغفير الذي كان حاضرا .وعلى الرغم من الخيمة ة التي نصبتها وريخا أمام بيتها كانت رحبة وفسيحة فإنها لم تتمكن من استيعاب كل الزوار الذين جاؤوا بدعوة أو بغيرها .

استقبلتهم وريخا بحفاوة،أدخلتهم البيت وأجلستهم في قاعة خاصة مع بعض الزوار .كان البيت غاصا بالرجال والنساء أيضا .لم يكن  حسن وأصدقاؤه يظنون أن وريخا لها كل هذا الكم الغفير من المريدين .الرجال الذين كانوا حاضرين معهم كانوا يتحدثون بامتنان عنها ، يذكرون كيف كانت سببا في علاج الكثير من أمراض أعجزت الأطباء ،إضافة إلى مساعدة الكثير من الفتيات في إيجاد ابن الحلال ، والتنبؤ بأمور حدثت بالفعل .

كان حسن وأصدقاؤه يستمعون إلى ما يقال ،وقد تملكهم الاستغراب لهذا الصيت العريض الذي حققته وريخا في المنطقة وخارجها.قدم الشاي والحلوى .تناهى إليهم صوت الدفوف و أصوات النساء تصدح بأهازيج شعبية من التراث الوريني.لم يتصور الأصدقاء أن الاحتفال بمناسبة عيد الميلاد سيكون بهذا الحجم .لم يسبق لهم أن رأوا حتى في الأعراس الضخمة مثل هذا الجحفل من المدعوين.ظنوا أن الاحتفال بمناسبة عيد الميلاد سيكون حفلا بسيطا يحظره الأصدقاء المقربون من وريخا ليس إلا .فإذا بهم أمام حفل كبير لا يمكن حصر عدد الذين جاؤوا إليه بدعوة أو بدون دعوة كما أسلفنا .

بعد مرور وقت غير قصير ، توقف الغناء والرقص .ارتفعت الزغاريد ،جاء أحدهم يخبر حسن وأصدقاؤه إضافة إلى من كان معهم أن وريخا،قادمة .خرج الجميع إلى فناء البيت الواسع حيت تتوسط كنبة مزخرفة ومهيأة على شكل كرسي واسع ووثير .كان الزوار قد تحلقوا تاركين وسط الفناء فارغا كي يتمكن الكل من رؤية عروس الحفل .فجأة دخلت هذه الأخير ترتدي ثيابا نسويا فاخرا وعلى رأسها سبنية ورينية  بنية اللون ، وقد حزم من الحرير رأسها موشى بخرزات الموزون الصقيلة.كانت ترافقها فتاتين في مقتبل العمر تتقدمهم امرأة مسنة .ما كادت وريخا تتوسط الفناء تحت عاصفة من الزغاريد والتصفيق .حتى طفقت الورود من مختلف الألوان والأنواع تتساقط من الفضاء .سيطرت الدهشة على الجميع ، وهم يرون فناء البيت يمتلئ وردا بحيث تحول إلى بساط بديع المنظر زاهي الألوان .كان الكل يحاول جاهدا أن يرى الأيدي الخفية التي تمطر المكان بالزهور المختلفة الأشكال والألوان  لكن دون جدوى .اتجهت وريخا إلى الكرسي المخصص لها ، جلست بعدما رفعت الفتاتان رداء ثوبها الجميل لكي تتمكن سيدتهم من الجلوس بكل عز وأبهة .

بعد أن استقرت في مكانها طفق الزوار يتقدمون للسلام عليها فردا فردا ، تمد  يدها  للمهنئ  يقبلها ثم يتمنى لها السعادة وطول العمر لينسحب تاركا المجال للمهنئ آخر .حين جاء الدور على حسن وأصدقاؤه ،اتجه علي نحوها سلم عليها ثم تمنى لها أطيب المتمنيات،تلاه محمد وبعده حسين .وحين جاء الدور على حسن تقدم منها  ابتسمت ابتسامة رفيقة في وجهه وما كاد يدنو منها ويضع يده في يدها حتى جذبته إليها برفق وقدمت له وجنتيها .

————-

كاتب الرواية عزيز أمعي

كاتب الرواية عزيز أمعي