رواية وريخا: 13

ma-press-09

وريخا 13

قلت :

_ شكرا على تفهمك .

وقبل أن أغاد الغرفة سألتني:

_ما رأيك أن تكون ضيفي ليلة الأحد ؟

قلت وقد باغتتني الدعوة :

_لا داعي لذلك  يمكن …

قاطعتني وهي تبتسم مازحة :

_ الجن أيضا يعرفون معنى الكرم ، فلا تحرمنا من إظهار كرمنا أمامكم  .

قلت مستسلما:

_طيب ما دمت تصرين .

عندها ألقت مفاجأتها التي لم تخطر لي على بال  :

_ لا تنس أن تصطحب رفاقك الثلاثة الذين تسهر معهم عند الأستاذ.هم أيضا مدعوون معك.

_قولها هزني بعمق . تساءلت كيف تعرف بأمركم وكيف تعرف أننا نسهر هنا نحن الأربعة .

لم يكن حسن وعلي ومحمد أقل استغرابا من حسين ، بقي الرفاق حائرون يفكرون في ما سمعوه من حسين .

قال حسن وهو يحاول أن يخرج رفاقه من دهشتهم :

_ لا تستسلموا للدهشة والاستغراب ، مثل هؤلاء المشعوذين ، لديهم حيلهم الخاصة التي يحاولون من خلالها إثارة الدهشة كي يتمكنوا من السيطرة  على عقول البسطاء .

قال علي :

_هل تظن ذلك ؟

أجاب حسن :

_ بل أنا متأكد ، وبإمكاني أن أثبت لكم أنني محق في مزاعمي  ؟

نظر الجميع إلى  حسن باهتمام بالغ ، تساءل الكل هل حقا بإمكان  صديقهم أن يكشف  زيف ما تدعيه وريخا .قال علي:

_وكيف لك أن تثبت أن هذا الشخص الذي يزوره المئات من البشر لقضاء مآربهم  ،مجرد دجال ليس إلا  ؟

قال حسن   :

_ أولا سنقبل دعوته ، وعندها  سأريكم ما الذي سأفعله به ، وكيف سأجعلكم تقتنعون أن الرجل مجرد مشعوذ ماهر .

قال حسين :

_ هل أنت جاد في قولك ؟

_ طبعا إذا وافقتم على الدعوة ،سأتكلف بالباقي .

ساد الصمت  ،التحدي الذي رفعه حسن في وجه وريخا ،جعل أعصابهم تتوفز ، وكل واحد أصبح في شوق غامر لمعرفة ما الذي سيفعله حسن .انبثق صوت حسين قائلا :

_ما قولكم ؟

قال علي :

_أنا موافق.

قال محمد :

_وأنا كذلك .

قال حسين :

_ إذن اتفقنا .

مساء يوم الأحد وبعد صلاة العشاء كان الرفاق الأربعة يقفون أمام بيت وريخا ،طرق حسين الباب ،وبعد هنيهة  فتح هذا الأخير لتظهر سيدة في العقد الرابع من عمرها ،دائرية الوجه يزين وشم زيتوني  اللون ما بين عينيها ، قالت وهي تبتسم :

_ أهلا بكم تفضلوا .

دخل حسين يتبعه أصدقاؤه .عبر رواق رحب أدخلتهم حجرة مؤثثة بشكل بسيط أربع كنبات  تتوسطهم  طاولة دائرية الشكل ، وعلى الجدار صورة لوريخا  .كانت الصورة نصفية الشكل ،تمثل شابا يبتسم   وهو يرتدي لباس النساء و قد خط الكحل عينيه الضيقتين …رأسه ملفوفة بخيط أحمر من الحرير موشى بخرزات من الموزون الصقيل واللامع .استغرب الكل وخاصة حسن لهذه الصورة السريالية العجيبة ،إنها تجمع كائنين في صورة واحدة ،رجل كباقي الرجل يتدثر بلباس ربات الحجال . بريق أنثوي ، أو هكذا خيل للجميع ،يشع من مقلتي الشخص الذي ينظر إليهم مبتسما كأنما يتحداهم بابتسامته البريئة .

قالت المرأة :

_ تفضلوا بالجلوس سيدتي مشغولة لكنها ستأتي بعد لحظات .

خرجت السيدة ، بقي حسن وأصدقاؤه صامتين يتأملون المكان بتوجس  . انتابهم شعور غريب ، مزيج من الرهبة والترقب ، كأنهم حلوا بأرض لا يعرفون  فيها أحدا .بين الفينة والأخرى كانت عيونهم تعود على الرغم منهم لتتأمل الصورة ،ينظرون إلى بعضهم طيف ابتسامة يرتسم على شفاههم ،و نظراتهم تحمل أكثر من معنى .

بعد وقت قصير جاءت وريخا ،هب حسن وأصدقاؤه واقفين لاستقبالها .توفزت أعصابهم  ،باستثناء حسين ،وهم يرون الشخص الذي طالما سمعوا عنه العجائب ماثلا أمامهم  ، كانت وريخا ترتدي شملة بيضاء يطل من تحتها لباس أنثوي  ،وتضع على رأسها طاقية خفيفة بنفس لون الشملة .  قرأت وريخا ما يجول في أذهانهم كأنها تقرأ كتابا مفتوحا ، قالت مبتسمة  :

_مرحبا بكم جميعا ،شرف كبير أن تزوروني في بيتي  .

تقدمت وراحت تسلم على كل واحد وهي تقول :

_ أهلا علي ، أهلا محمد ، وحين وصلت إلى حسن تأملته مليا ثم قالت :

_أهلا بالأستاذ حسن .

بقي الرفاق ينظر بعضهم إلى بعض ،وسؤال واحد يجول بين تلافيف أدمغتهم ، من أين لهذا الشخص علم بأسمائنا ؟ قالت وريخا وهي تلاحظ ارتباكهم :

_تفضلوا اجلسوا البيت بيتكم .

قال حسين وهو يحاول أن يستيقظ من وقع المفاجأة :

_شكرا للا وريخا ، لقد جئت في الموعد مع رفاقي استجابة لدعوتك ، ورغبة في التعرف عليك أكثر .

ابتسمت وقالت :

_أهلا وسهلا أنا بدوري سعيدة بالتعرف إليكم .وأرجو أن يكون هذا اللقاء بداية علاقة صداقة بيني وبينكم .

تدخل حسن بنزق قائلا  :

_ سيحصل  لنا الشرف أن نصبح أصدقاء.

 صمت هنيهة ثم  أضاف :

_نرجو أن لا نكون قد أتينا في وقت غير مناسب .

قالت وريخا مبتسمة :

_أبدا لقد كنت في انتظاركم حسب الاتفاق المحدد بيني وبين الأخ حسين .

في هذه الأثناء دخلت المرأة التي فتحت لهم الباب ،وهي تحمل صينية عليها براد شاي وبعض الكؤوس إضافة إلى طبق متوسط الحجم يضم ثلاثة أصناف من الحلوى .وضعت السيدة الصينية على الطاولة ثم انصرفت .قالت وريخا وهي تشير إلى الصينية  :

_من منكم يصب الشاي ؟

قال حسين مبتسما :

_الحقيقة لا أحد فينا يتقدم أمام علي حين يكون حاضرا .

قالت وريخا مبتسمة وهي توجه الصينية نحو علي :

_إذن تفضل سي علي ، ما دام أصدقاؤك قرروا ذلك .

ابتسم علي وقال :

_كنت أنوي الاعتذار عن هذه المهمة على الأقل الليلة ،لكن ما دمت قد انحزت إلى صفهم فليس أمامي سوى الامتثال .

قالت والابتسامة لا تفارق شفتيها  :

_شكرا سيد علي .

ملأ علي الكؤوس ، وقد مها للحاضرين ،أشارت وريخا إلى طبق الحلوى ثم قالت :

_تفضلوا ..أهلا ومرحبا  .

همهت الحناجر :

_شكرا .. شكرا .

ساد الصمت بحيث  لم يكن يخترقه سوى هسيس ارتشاف الشاي ،من شفاه تلتهب بعشرات الأسئلة .

قالت وريخا وهي تلمح العيون ترو زها من طرف خفي :

_الحقيقة أن الصدفة وحدها هي من  جعلني أتعرف على الأخ حسين .

ابتسمت ثم واصلت كلامها قائلة : 

_وقد فهمت منه أنه يريد التعرف علي أكثر، لكن وقتي كما تعلمون لا يسمح ،لذلك اتفقنا على هذا الموعد كي نتحدث على راحتنا .

قال حسين وقد أسعده دنو وريخا من الموضوع الذي كان هو وأصدقاؤه يتحرقون  شوقا للخوض فيه :

_أولا أريد أن أشكرك على هذه الدعوة ، وبما أنك اقترحت صداقتك علينا فيسعدنا بدورنا أن نستقبلك صديقة عزيزة بيننا  لك ما لنا وعليك ما علينا . .

قالت وريخا وبريق الامتنان يشع من عينيها :

_يشرفني الانضمام إلى جماعتكم و أنا جد شاكرة لاقتراحك وليس لدي أي اعتراض عليه ،لكن قبل ذلك لنبق في الهدف الذي جئتم من أجله .خاصة وأن أحدكم يريد أن يتحداني .

دهش الرفاق ، خرست ألسنتهم من وقع المفاجأة ولم يقو أي منهم على الكلام .حتى حسن ،الذي رافق أصدقاءه بدافع كشف زيف هذا الشخص الذي يزعم أنه مسكون من قبل جنية ، صعقه قولها وقبل أن يستيقظ الرفاق من دهشتهم  ، قالت وهي تنظر إلى حسن :

_أليس كذلك سيد حسن ؟

صاح علي متأثرا :

_ لا .. لا هذا لا يصدق .

قالت وريخا بهدوء مثير :

_ ما الذي لا يصدق سيد علي ؟

نظر إليها كالأبله ثم تمتم :

_ لم يكن معنا أحد حين كنا نتحدث بشأنك ،فكيف عرفت بأن حسن  ينوي أن يتحداك .

قالت وريخا :

_هون عليك سي علي ،فوريخا لها وسائلها الخاصة لمعرفة كل ما يهمها .

ساد الصمت .  تزعزعت ثقة الرفاق بنفوسه ،بدأ الشك يتسرب إلى عقل حسن ، اقتنع أنهم  يتعاملون مع شخص أقل ما يمكن القول عنه أنه ليس إنسانا عاديا .لا شك أن وريخا تملك قدرات خارقة ، وإلا كيف تمكنت من معرفة ما يضمره لها حسن  .

بعد أن طال الصمت أكثر مما يجب قالت وريخا مخاطبة حسن :

_أنا مستعدة سيد حسن للتحدي، ما هو الامتحان الذي تريد أن تختبرني فيه ؟

زاد ارتباك حسن .تساءل كيف سيتصرف بعدما أصبحت لعبته مكشوفة .لكن حين رأى كل العيون مسلطة عليه حاول لملمة أشلاء دهشته  وقال :

_ أرجو ..أرجو أن تعذر استغرابنا أو استغرابي على الأقل .

صفن هنيهة ثم واصل حديثه مخاطبا وريخا بصفة المذكر :

_إن ما أراه ويراه الكل هو شخص كباقي الرجال  يدعى محمد بن بلقاسم العياشي ،طبعا هذا الشخص الذي هو أنت  يزعم أن جنية تسكنه، هذه الأخيرة قررت أن تغادر مملكتها لتستوطن جسد ه ، كما تستوطن دولة قوية دولة أخرى ضعيفة .طبعا مثل هذا الأمر لم نسمع عنه إلا في الخرافات والأزليات القديمة .

قال حسين وكأنه يبرر قول صديقه:

_أرجو أن لا تغضبك صراحة صديقنا  حسن ،فهو في الحقيقة لا ينقل لك سوى ما نفكر فيه جميعا  ، وهي أفكار أناس آخرين  في هذه القرية لا يجرؤون على المجاهرة بها أمامك .

قالت وريخا مبتسمة :

_لابأس  أنا لست غاضبة ، بل على العكس أنا سعيدة بصراحتكم ، و مستعدة لأشفي غليل تساؤلاتكم .

كلامها شجع حسن على المضي قدما في الحديث قال :

_أشكرك على تفهمك ، وموافقتك على أن نستمر في هذا النقاش .

ضحكت هذه المرة وقالت :

_ لا يمكن أن أحرم الأستاذ لذة النقاش .أعرف أن الأساتذة كا ئنات لغوية بامتياز.

ضحك الجميع ، قولها أدخل المرح على الجلسة ، ذاب ثلج أزمة التواصل الأولى ،طفق الرفاق يستأنسون بمضيفتهم .قال حسن وهو يستخرج صورة فدوى من جيب سترته ،قدمها لوريخا وقال :

_بما أنك تملك القدرة على الكشف كما تدعي ،فأريدك أن تحدثني عن صاحبة هذه الصورة .

تناولت وريخا الصورة ، تأملت الفتاة المليحة التي كانت تنظر إليها بعينين نجلاوين وثغر باسم .

رفعت بصرها نحو حسن  تأملته مليا ثم قالت :

_أبهذه الفتاة الجميلة  تريد أن تتحداني ؟

قال حسن كأنه يعتذر :

_ لا..لا هذه الفتاة يهمني أمرها فحسب وأريد أن أعرف ما الذي ستخبرني بشأنها   .

أمسكت وريخا الصورة بيدها اليسرى ،  وبإبهام يدها اليمنى راحت تنقر عليها كأنها تركب رقما على هاتف محمول .مسحت الصورة بيدها ثم أعادت النقر ، في هذه الأثناء كان الشبان ينظرون بدهشة واستغراب وهم ينتظرون بلهفة ما الذي  ستخبرهم به  وريخا ، هل سيقر حسن بقولها أم أنها ستفشل فيظهر دجلها ؟ 

حين انتهت مضيفتهم  من حركاتها الغريبة ، نظرت إلى  حسن مليا وهي تبتسم ثم قالت :

_هذه الفتاة يا سيد حسن ابنة شخص ذو شأن عظيم كان صديقا لك أو ربما كان زميلا لك في العمل .خطبت هذه الفتاة وكنت تنوي الزواج منها .أبوها طبعا كان متحمسا لهذا القران ،لكن الفتاة كانت معترضة عليه ،رفضها لك لم يكن بسبب عيب في شخصك ، بل  لعيب فيها هي.

توقفت وريخا عن الكلام المباح ،نظر إليها حسن وقد بلغت  منه الدهشة مبلغا عظيما ، قال متحمسا لسماع المزيد كأنه شهريار يأبى أن تتوقف شهرزاد عن الحديث مع مطلع الفجر :

_ماذا تقصد ما العيب  فيها ؟

تأملته وريخا مليا ثم قالت  :

_ربما لا يجوز أن أقول كل شيء أمام أصدقائك .

نبر حسن :

_هؤلاء أصدقائي ، وهم مثل إخوتي و لا توجد بيننا أسرار .

قالت وريخا بعد أن صمتت هنيهة :

_طيب مادامت تصر  ، فاعلم سيد حسن أن الفتاة لا تحب الرجال وتفضل عليهم بنات جنسها .

صاح حسن :

_فدوى مثلية ….

 

————

كاتب الرواية عزيز أمعي

كاتب الرواية عزيز أمعي