رواية وريخا: 12

ma-press-09

وريخا 12

بقي حسن وعلي يتسامران إلى وقت متأخر من الليل ،وفي الصباح اتجه إلى المؤسسة التعليمية اليتيمة  في القرية ، استقبله مدير الإعدادية الذي كان قد توصل بقرار تعينه . رحب به  ، ثم حدد له المستويات  التي سيشرف على تدريسها  .وقبل أن يغادر طلب من المدير  أن يمنحه رخصة وجيزة ، ليهيئ نفسه قبل الشروع في التدريس .وافق المدير شكره حسن ثم انصرف.

كان حسن في حاجة إلى أن يزور أهله الذين  يقطنون منطقة نائية في  الجبل ،كما كان عليه قبل ذلك أن   يكتري بيتا ليستقر فيه .هذه المهمة كلف بها علي الذي وافق على القيام بها  .

 في رحلة محفوفة بالمخاطر سافر حسن على مثن سيارة متهرئة من تلك السيارات التي يطلق على أصحابها الخطافة كانت السيارة من نوع بيكوب ،حشر فيها الركاب كالسردين ، كل واحد منهم  يضع أمتعته بين قدميه. تراكمت البضائع إلى أن تحولت إلى جبل صغير يحف به الركاب  . طبعا السائق لم يكن يحمل رخصة تخول له نقل الركاب، كل ما كان يملكه كغيره من السائقين  هو إتاوة أسبوعية تقدم لبعض رجال الدرك كي يسمحوا لهم بمزاولة مهنتهم الممنوعة  قانونا .كانت السيارة المسكينة تبذل قصارى جهدها لتتقدم عبر طريق وعر مترب منسرب بين سفوح جبال تكسوها غابة كثيفة الأشجار  .أغلب المنعرجات إن لم يكن كلها كانت تطل على هاوية سحيقة ، خشي حسن أن تفقد هذه السيارة  المشؤومة  توازنها في أي لحظة لتتدحرج قاذفة الكل إلى أسفل سافلين.لكن العناية الإلهية لطفت بهم ،فوصلوا بأمان إلى أقرب دوار ،بعد أن قضوا زهاء ساعتين  وأجسادهم تتطوح داخل العربة كأنهم في حلقة ذكر .نزل حسن وهو يشعر  بدوار يعصر رأسه  .ارتاح قليلا ، ثم تابع  السير مشيا على الأقدام ليصل بعد قرابة ساعة أو ينيف  إلى المدشر حيث يقطن أهله .

استقبلته أمه بلهفة وسعادة لا توصفان .كانت تلايتماس امرأة تجاوزت عقدها الخامس ببضع سنين متوسطة القامة نحيلة الجسم ،ترتدي ثوبا غير متناسق الألوان  رأسها ملفوفة بسبنية ورينية عفا عنها الزمن . وجد أباه الفقيه سي عبد السلام جالسا كالعادة وبين يديه المصحف الكريم .قبل يد والده ،وراحا يتجاذبان أطراف الحديث . تأمل حسن والده بحنان كأنه يراه لأول مرة،كان الفقيه من أولائك الأشخاص الذين لا يتأثرون بعوامل الدهر .الأب هو،هوكما تعود أن يراه على الدوام،رجل ستيني  بلحية بيضاء ووجه وقور ، يرتدي جلبابا أبيض ورزة يتناسق فيها اللونان  الأبيض والأصفر وهو منطو على نفسه يقرأ القرآن  وهو يداعب خرزات المسبحة  كأنه متصوف في خلوته .  تحلق حوله إخوته كل واحد ينتظر الدور ليسلم عليه .بعد وقت غير قصير هيئت الأم حرشة عليها كتلة كبيرة من زبد البقروبراد شاي يكفي كثيبة عسكرية  . أكل  حتى اكتفى شكر أمه على وجبتها اللذيذة . أعادت الأم ملء الكأس لابنها ثم طفقت  تسأله من جديد عن أحواله ، وعن سبب قدومه في وقت لم يعتد المجيء فيه .

شعر حسن بالضيق لأن اللحظة التي كان يخشاها قد حانت .قال في نفسه :لقد جاءك الموت يا تارك الصلاة .لم يكن قلقا على مسألة فصله من الأكاديمية ، بقدر ما كان قلقا على أمه .كان يدرك أنها حين ستعلم أنه غادر الجيش  ستجزع  كثيرا ،وهو لا يريد أن يراها حزينة مهيضة الجناح.لكنه كان يعلم أيضا أن لا خيار أمامه سوى إخبارهم بالحقيقة ، لأن الكتمان لن يفيد في شيء .

قال وهو يحاول أن يتجنب نظراتها :

_لقد ..لقد تركت الأكاديمية العسكرية .

ضربت الأم على صدرها ، ثم صاحت :

_لماذا يا حبيبي ، هل جننت ؟

أبوه بقي هادئا كأنه لم يسمع ما قيل ، أو لعله كان  يريد أن يسمع كل ما في جعبة ابنه حتى يفهم ما الذي جرى ، قال حسن :

_لم ..لم تعد الجندية ستهويني  .

_ لكن لماذا نبرت الأم ؟

_ليس هناك سبب محدد ، لكن لم تعد تستهويني الجندية  .

قالت الأم التي لم تستسغ قول ابنها  :

_كيف تتخلى عن مهنة يتمنى كل واحد في بلدتنا أن يحظى بها .عائلات بني ورين وبدون استثناء،لا تحلم سوى برؤية أبنائها في سلك الجندية ولو كانوا مجرد جنود بسطاء،فكيف إذا كانوا مثلك ضباطا بنياشين .

لا جواب ، سوى الصمت المطبق .قالت تلا يتماس كأنها تحدث نفسها:

_ هذاهو الجنون بعينه ..

صفنت لهنيهة ثم أردفت  قائلة:

_طيب وماذا ستفعل الآن ؟

قال حسن :

_لقد تقدمت بطلب للعمل في مجال التعليم وقد قبل طلبي  .

نظرت الأم إلى زوجها كأنها تسأله لماذا لا يتدخل .قال الفقيه :

_الأمر لله من قبل ومن بعد يا ولدي ، خير ما فعلت .

صاحت الأم في وجه زوجها :

_ما هذا يا رجل كيف تشجعه على فعلته ؟

قال الفقيه :

_ أنا لم أشجعه يا امرأة ،هو من اختار . وبصراحة أنا كنت ضد التحاقه بالجيش منذ البدء.

صاحت الزوجة :

_ وهل هناك أفضل من الجيش ؟ألم تكن تنتظر بفخر أن يتخرج ابنك بكلية الضباط ليصبح ضابطا يشار إليه بالبنان .

قال الفقيه، كي يخفف من توتر زوجته :

_ صدقت  كنت أتمنى ذلك مثلك ، لكن بما أن الجندية ليس فيها نصيب فلن يجد أفضل من مهنة التعليم ، وسأفتخر بابني كأستاذ يعلم النشء كما كنت سأفتخر به لو تخرج ضابطا .

ضربت الأم كفا بكف وهي تقول :

_لا حول ولا قوة إلا بالله حقا الابن سر أبيه .

غادر حسن بيت أهله في اليوم الموالي ،كانت رحلة العودة لوحة دونكشوطية أخرى لسيارة يحاول صاحبها أن يعيده بسلام إلى القرية .وجد ابن خالته في انتظاره ، أخذه رأسا  إلى البيت الذي اكتراه له ، أعجب حسن باليت .شكر علي ،وفي اليوم الموالي اشترى كل الأثاث الذي يحتاج إليه شاب  في مثل وضعه .

بعد أيام قليلة ،استغرب حسن لتعلقه  بمهنة التدريس في وقت وجيز.قبل إقباله على هذه المهنة ،كان يحمل تصورا مختلفا عنها .كان يعتبرها كالعديد من الناس مهنة سهلة وأن كل من هب وذب يمكنه أن يمارسها لأنها لا تتطلب سوى معرفة الحد الأدنى من التعليم ، بدليل أن الكثير من المعلمين الذين لم يكونوا يحملون سوى كتاب الله ، التحقوا بالمدرسة العمومية واشتغلوا فيها كما كانوا يشتغلون في الكتاب  حفظ واستظهار وكفى .

حسن وعلى الرغم من مؤهلاته المعرفية ،اكتشف أن عليه المزيد من الاطلاع حتى يتمكن من سبر أغوار ما يجول في عقول ونفوس الأطفال كي يتمكن من  الاقتراب منهم عقليا ووجدانيا، وبذلك يمكنهم   من امتلاك ناصية  الرياضيات بكل سهولة ويسر.أحبه التلاميذ بسبب هذا النهج .هو أيضا بادلهم حبا بحب . قارن بين الفترة التي قضاه في الأكاديمية طالبا يتلقى العلم ، وبين هذه المرحلة  الجديدة التي أصبح فيها هو من يقدم ويسهل اكتساب المعرفة ،أدرك أن لذة العلم سواء كان أخذا أو عطاء لا يمكن أن تعدله لذة أخرى  .

كان علي يزوره كل مساء يتسامران إلى وقت متأخر من الليل ،يروي حسن لعلي ما عاشه بين جدران الأكاديمية العسكرية ، في حين كان علي المولع بالفتيات، يروي مغامراته العديدة لصاحبه .كان حسن يضحك كثيرا لهذه المغامرات ويعجب من جسارة علي ، وهوسه بتغير عشيقاته كما يغير قمصانه .

كثيرا ما كان علي يأتي رفقة شابين  ليشاطروا حسن   السمر ، أحدهما كان اسمه محمد وهو شاب في مثل سن علي وسيم تتخل شعريات بيضاء شعره الكثيف .الشاب الثاني كان اسمه حسين طويل القامة بشكل لافت ،هزيل الجسم والابتسامة لا تفارق ثغره .

توطدت العلاقة بين حسن وهؤلاء الأصدقاء  .السهر معهم  مكن حسن من استرجاع تفاصيل واقع  كان قد ابتعد عنه طويلا بسبب الدراسة الأكاديمية .

ذات ليلة وبينما الأصدقاء يتسامرون ، قال حسين :

_أتعرفون من زرت اليوم ؟

قال علي مبتسما :

_إذا لم تكن حسناء جميلة ، فا لأمر لا يعنيني .

قال حسن ضاحكا :

_جازا الله شيطانك يا علي ، أنت لا تفكر سوى في النساء .

قال علي :

_وهل هناك من هو أهم وأجمل من النساء في هذه الدنيا ابنة الكلب ؟

قال حسين :

_بجد أريد أن أخبركم بهذا الأمر ، لأنه حتما سيثير اهتمامكم .

ساد الصمت ،كل العيون تعلقت بشفتي حسين تنتظر ما الذي سيخبرهم به. قال الفتى بعد أن تأكد أن الجميع  أصبح آذانا صاغية :

_لقد كنت  اليوم عند  وريخا .

نظر الكل إلى بعضهم البعض ، ثم تحولت الأنظار إلى حسين  دون أن  ينبس أي منهم ببنت شفة . حسن كان قد سمع أكثر من مرة بهذا الاسم الذي أصبح أشهر من نار على علم .ما لم يكن يعلمه هو أن وريخا التي قضت عدة سنين في مدشر البحاير ،قررت أخيرا أن ترحل  إلى قرية تاهلة .هذا القرار اتخذته بإلحاح  من معارفها ومريديها الذين كانوا يأتون إليها من مناطق نائية من شتى أصقاع البلاد،فيعانون الأمرين في الوصول إليها . قلة المواصلة وصعوبة التضاريس الجبلية ،خاصة في فصل الشتاء حيث  الأمطار والثلوج الكثيفة كانت تحول دون زيارتها .

استجابت وريخا لطلب زبائنها ، وجاءت لتستقر في القرية .حلولها بالبلدة كان حدثا مثيرا ، سمعتها التي سبقتها جعلت الطوابير تصطف أمام البيت الذي اقتنته.تنوعت أهداف الزوار البعض جاء لمعرفة الطالع وما تخبئه الأيام ،والبعض الأخر جاء ينشد العلاج ، وآخرون جاءوا بذرائع مختلفة بغية رؤية الفتى الظاهرة .مع مرور الأسابيع والشهور طفق حماس الناس يفتر ،أو لنقل أن وريخا نجحت في أن تجعل الساكنة تتقبل وجودها كهدية من السماء حطت بين ظهرانيهم  . قلة فرص التطبيب وغلاء سعر الأدوية ،جعل من وريخا ملجأ من لا فرصة له في تطبيب مجاني ناجع وفعال .

هذه المعلومات التي كان حسن قد سمعها من قبل ، لم يكن معني بها .لأنه كان مقتنعا كل الاقتناع بأن هذا الشخص الذي يزعم أنه مسكون من قبل جنية ، ما هو إلا مشعوذ يستغل جهل وبساطة عقول أهل القرية لينهب أموالهم   .

انتبه حسن على صوت علي يسأل حسين :

_ وما الذي أخذك إليها ؟

قال حسين :

_الحكاية وما فيها يا سيدي ،هو أن خالي مرض بغتة فرجتني أمي أن أرافقه إليها .

قال علي :

_احك لنا كيف مرت الزيارة .

قال حسين بعد أن صمت هنيهة  :

_ما سأرويه أخشى أن لا تصدقوه .

تدخل محمد قائلا:

_احك وسنرى .

 قال حسين :

_طيب.. ذهبنا أنا وخالي ، وهو رجل كهل ألم به مغص في بطنه أبى أن يغادره بالوصفات المعتادة  .حين وصلنا وجدنا العديد من النساء والرجال جالسين في غرفة الانتظار .بعد مدة غير قصيرة جاء دورنا .دخلنا رأيت فتى شابا في مثل سننا ،استقبلنا وهو يبتسم .سألنا  :

_بماذا يمكن أن أخدمكا .

شرح له خالي دواعي الزيارة .أدخله خلف ستارة طويلة بلون الغسق. بقيت أنتظر وبعد وقت ليس بالقصير  خرج خالي رفقة الرجل وابتسامة اطمئنان مرسومة على شفتيه . وقبل أن نغادر سألني العراف  :

_وأنت أيها الشاب ألا تحتاج إلى كشف ؟

قلت كأنني أنفي تهمة عن نفسي :

_ لا..لا شكرا

قال وهو يبتسم  :

_ أراك مرتبكا .

فعلا كنت مرتبكا ، مشاعر متناقضة كانت تسيطر علي ، وجدت صعوبة في قبول أو بالأحرى الاعتراف بأن الشاب الماثل أمامي تسكنه  جنية  .

قلت مستسلما :

_أنت على حق   

حين رآني أو رأتني لا أقوى على التعبير عما يخالجني من تساؤلات لا أعرف كيف أصوغها في دماغي ، قال والابتسامة لا تفارق شفتيه  :

_يبدو أن حيرتك أكبر من أن تعبر عنها .

نظرت إليه وقلت:

_صدقت و…

قاطعني قائلا وكأنه قرأ ما يجول بين تلافيف دماغي  :

_ تريد أن تفهم كيف يدعي الرجل الذي هو أنا  أن جنية تسكنه .

قلت وأنا أشعر بأنه قد تمكن من سبر غور أفكاري :

_الله ينور عليك …

ساد الصمت ،خشيت أن أكون قد تجاوزت حدودي وأغضبته.لكن فجأة رأيت الابتسامة تعود إلى ثغره وصوته يقول  :

_ الحقيقة الوقت لا يسمح لنخوض الآن في هكذا حديث ، بإمكانك العودة في وقت لاحق لأجيبك على كل تساؤلاتك .

—————–

كاتب الرواية عزيز أمعي

كاتب الرواية عزيز أمعي