رواية وريخا: 11

ma-press-09

وريخا 11

بعد ثلاثة أسابيع من وقوع هذه الحادثة كان حسن يمتطي الحافلة الوحيدة التي تربط مدينة مكناس بقريته الصغيرة النائمة عند سفوح جبل تازكا .إلى جواره كان يجلس شيخ تجاوز العقد السادس من عمره ، تناسق البياض في هيئته فأصبح كشبح هاملت1. لحية بلون القمر و جلباب أبيض كالثلج ، فوق رأسه رزة ورينية حليبية اللون .

بينما كانت الحافلة تقطع المسافات في اتجاه بلدته والشيخ إلى جواره مستسلما لغفوة لذيذة تقصر المسافات ،كان شريط من الذكريات الطرية، ينثال على شاشة فكره . رأى نفسه يبذل جهدا سيزيفيا ليغادر مكتب مدير المؤسسة العسكرية مدحورا مخلفا وراءه أحلامه الوردية وطموحاته العسكرية إلى الأبد . قبل أن يودع الرجل أعطاه هذا الأخير قرار تعينه في مؤسسة تعليمية ببلدته .لم يكن الكولونيل أقل تأثرا من حسن ،قال وهو يقف ليرافقه إلى الباب :

_أعلم يا حسن أن الأمر ليس هينا علينا معا ، ومهما حاولت أن أخفف عنك بتقديم النصح ، فإن ذلك لن يجدي ،لكن مع ذلك أدعوك إلى الإيمان بالقضاء والقدر ، وتذكر قوله تعالى : وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم .

التفت إليه حسن وقد أشرقت الدموع في مقلتيه :

_ أشكرك جزيلا سيدي الكولونيل . منذ أن ولجت هذه المؤسسة وأنا أحظى بعنايتك وكرمك .

ابتسم الكولونيل بأسى وقال :

_ لا شكر على واجب يا حسن إنك أهل لكل اهتمام وعناية .

لم يتطرق أي منهما لمصير علاقته بعائلة الكولونيل ،هذه المسألة كانت شوكة في حلق هذا الأخير ، الوضع كان صعبا ومربكا ، فحسن كان وبشكل رسمي خطيب ابنته ، وهاهو الآن يعزل من المؤسسة العسكرية العتيدة ، كيف سيتصرف ؟كل الأحلام التي رسمها لهذا الفتى وابنته تبخرت فجأة كأنها كانت مجرد حلم سرعان ما استيقظ منه. كان يرى الفتى زوجا لأبنته الدكتورة ، مقتنعا كل الاقتناع أن صهره سينتهي به المطاف بعد عقدين على أبعد تقدير جنرالا ، وربما دخل المجال السياسي من بابه الواسع ليصبح من صناع القرار في هذا البلد .لكن تجري الرياح بما لا تشتهي السفن ، وهاهو الفتى الموعود بالثراء والمجد ، يتحول إلى وظيفة التعليم ليعانق الفقر إلى الأبد .

في المساء عقد الكولونيل اجتماعا طارئا مع أفراد أسرته ،أخبر زوجته وابنتيه بما حدث .ساد الصمت ، المفاجأة عقدت لسان الأم وسارة أما فدوى ،فقد قالت بسخرية :

_سبحان الله منذ الأول لم أكن مطمئنة لهذه الخطوبة التي فرضتموها علي فرضا.

قال الأب :

_ماذا تقصدين يا بنت هل تنوين التخلي عن خطيبك ؟

قالت وكأن ما حدث أعطاها الشجاعة لتعبر بصراحة عن رأيها :

_إنه خطيبكم أنتم لا خطيبي أنا .

نظر الأب إلى زوجته ، أطرقت الأم حائرة .قال الأب :

_أفهم من هذا أنك ترفضين حسن ؟

نظرت إليه بتحد ثم قالت :

_الشاب الذي كنت تراهن على مستقبله الزاهر أ صبح الآن مجرد مدرس تافه ، هل تريد ني أنا ابنة الكولونيل محمد الإدريسي وخريجة كلية الطب أن أرتبط بمن ليس لي أهلا .

على الرغم من أن كلام فدوى كان فيه الكثير من الوجاهة ،إلى أن الأب لم يفهم إلى الآن سر رفض ابنته لحسن حتى قبل أن تعرف وضعه الصحي .قال وهو ينظر في عيني ابنته :

_ أريد أن أسألك وأنتظر منك أن تجيبيني بصراحة .

قالت دون أن يرف لها جفن :

_ تفضل يا أبي فما تعودت الكذب عليك .

_هل تفضلين شخصا بعينيه على حسن ؟

أجابت بحسم :

_ لا يا أبي ، ومسألة الزواج لا أفكر فيها أصلا ، وأنا ما رضخت لأمرك إلا لأنني أحبك ولا أريد أن أغضبك .

خلال زيارة الوداع التي قام بها حسن إلى بيت الكولونيل .فاجأ الفتى الوالدين بقوله :

_جئت لأشكركما على العناية والتكريم الذي حظيت به سواء من قبل سيادتكم أو من قبلكم حرمكم .لكن بما أن الأقدار لم تشأ أن أستمر في سلك الضباط ،ومهنتي الجديدة ستضطرني إلى العودة إلى مسقط رأسي فأنا أريد أن أطلعكم على قرار أود أن تساعدوني في اتخاذه .

ساد صمت ثقيل ،حدس الكولونيل ما الذي يريد أن يخبرهم به حسن ،قال هذا الأخير بصوت حازم ورصين :

_ بما أن الأمور انتهت إلى ما انتهت إليه ، كما أسلفت ..فأنا أريد أن أخبركم أن خطوبتي على الآنسة فدوى لم تعد قائمة .

تغيرت ملامح السيدة خديجة وساح الدمع على وجنتيها الأسيلين ، أما الكولونيل فقال وهو يشعر بحرج شديد :

-الله يا بني ، نحن نتشرف بمصاهرتك بغض النظر عما حدث ، لكن الأمر يبقى في الأول والأخير رهين قرار فدوى .

قال حسن :

_وأنا لن أعرض نفسي ولا كريمتكم لأي إحراج.الزواج قسمة ونصيب ويبدو أن ارتباطي بابنتكم ليس من نصيبي .

جاءت سارة لتوديع حسن وهي لا تملك أن تمسك عبراتها ، أما فدوى فلم يظهر لها أثر ، أخبرتهالأم بأن ابنتها توجد في الوقت الحالي خارج المدينة .طبعا لم يصدق حسن قول الأم ، ودع الجميع ثم غادر مسرعا .

كانت الحافلة قد بدأت تطل على ضواحي قريته الصغيرة ،تأمل حسن صورة فدوى التي ظل يتأملها منذ أن غادر المدينة ، تمنى لو كان بإمكانه أن يمزقها لكن لم يقو على ذلك ، كان قلبه مفعما بحبها على الرغم من صدودها ورفضها له . أعاد الصورة إلى محفظته الصغيرة ،ثم راح يتأمل المنازل وهي تكبر شيئا فشيئا إلى أن توقفت الحافلة قرب سور السوق الأسبوعي لقرية تاهلة .

ما كاد ت قدماه تطأ الأرض ، حتى رأى ابن خالته علي وهو يلوح له مرحبا وابتسامة عريضة مرسومة على شفتيه .ابتسم حسن ، عانق الشاب الذي كان في مثل سنه ، متوسط القامة ، بدين الجسم وهو يقول :

_أهلا علي كيف الأحوال ؟

قال علي وهو لا يزال يضم قريبه إلى صدره :

_ بخير مرحبا بك يا بطل .

حمل عنه الحقيبة،ثم سارا في اتجاه البيت .لم يشأ علي أن يحدث حسن عن آخر اتصالهما الهاتفي حيث أخبره هذا الأخير ،بأنه غادر الأكاديمية العسكرية ، وأنه سيأتي ليستقر في القرية .استقبلته خالته وزوجها إضافة إلى ابن آخر أصغر من علي اسمه عياد وفتاتين أكبرهما اسمها فاطمة والأخرى حليمة .

قالت خالته وهي تعانقه مجددا :

_حمدا لله يا ولدي على سلامتك .

رد حسن :

_شكرا خالتي رقية …

سأله زوجها ميمون قائلا :

_أهلا بني كيف كانت الرحلة ؟

_ الحمد لله .ولو أن الحافلة ليست من النوع الذي يمكن أن يرتاح فيه المسافر .

قال زوج خالته :

_أعلم أنها حافلة واهنة ، لكن نحن نحمد الله على أنها متوفرة ، لأن من دونها كنا سنسنضطر للسفر إلى

أقربمدينة على الدواب.

ابتسم حسن ولم يعلق على كلام زوج خالته ، في حين قالت أم علي :

_دعونا من حديث السفر ، لا شك أنك جائع بني .

وقبل أن يرد طلبت من ابنتها فاطمة أن تهيئ الأكل .وضعت السفرة عليها طعام معد خصيصا له أكل حتى اكتفى .شكر خالته ، رفعت فاطمة الطعام ثم جاءت بصينية الشاي وضعتها أمام أمها ثم انسحبت .صبت رقية السائل المعصفراللذيذ في الكؤوس ، تناول كل واحد كأسه .ساد الصمت لم يكن يخترقه سوى هسيس الشفاه وهي تحتسي الشاي .

قال ميمون وهو يضع كأسه على الطاولة :

_هل صحيح ما أخبرني به علي يا بني ؟

وكأن الرجل فتح المدخل الذي استعصى على رقية ،فهجمت قائلة دون مقدمات :

_كيف تغادر أكاديمية الضباط ،وأمك المسكينة وأبوك الفقيه الورع سي عبد السلام وكل أفراد العائلة ، ينتظرون أن تتوج ضابطا ساميا نفتخر بك جميعا .

قال حسن وقد بدا عليه الحزن :

_الأمر ليس بيدي خالتي وكل شيء قسمة ونصيب .

نبرت الخالة :

_ لم أفهم قصد ك ؟

وبكلمات وجيزة أخبرهم ، كيف أنه أصيب بداء السكري ،وقانون الأكاديمية يمنع على كل طالب أصيب بداء مزمن أن يتابع دراسته فيها .قالت رقية وهي تكاد تبكي:

_أه يا حبيبي ما هذا الحظ العاثر.

نهرها زوجها قائلا ، كأنه يريد أن يرفع من معنويات حسن :

_ دعينا ياولية من الحسرة والكلام الغير مفيد .

ثم التفت إلى حسن وقال مواسيا :

_أنت فتى متعلم ،وأبوك فقيه عالم بحق ربنا .لذلك لا داع كي أذكرك أن كل شيء في هذه الدنيا يحدث لسبب ما ، لكن الإنسان لجهله لا يستطيع أن يكتشف سر هذه الأسباب.والعاقل هو من يسلم أمره لله .

أمن حسن على قول السيد ميمون ،وليطمئن خالته وعائلتها ، أخبر الجميع بأن الكولونيل قد تدخل لصالحه لدى وزارة التعليم ، مما مكنه من الحصول على وظيفة في هذا القطاع ، وقد تم تعينه بهذه القرية أستاذا لمادة الرياضيات .

أشرقت أسارير الخالة ، ابتسم السيد ميمون وقال :

_الحمد لله ، ها أنت ترى أن ربنا لم يتخل عنك .مهنة التعليم يا ولدي من أشرف المهن ،وأجرها عند الله عظيم لمن ثابر وأخلص.

ــــــــــــــــــــــــ

1- في مسرحية هاملت يعود شبح أحد الأبطال أكثر من مرة .

——–

كاتب الرواية عزيز أمعي

كاتب الرواية عزيز أمعي