رواية وريخا: 10

ma-press-09

وريخا 10

في مكتبه بالأكاديمية العسكرية بمدينة مكناس ، كان الكولونيل محمد الإدريسي المدير العام لهذه المؤسسة ، يذرع حجرة مكتبه ذهابا وإيابا ، ممسكا بكفيه  خلف ظهره .

بين الفينة والأخرى كان ينظر إلى الملف الموضوع على مكتبه ،وهو يشعر بألم يعتصر فؤاده .تساءل كيف سيتصرف في هذه المشكلة التي لم تخطر له على بال .بعد أن أتعبه التفكير والمشي عاد للجلوس إلى مكتبه .فتح الملف ،أطلت الصورة نفسها للشاب نفسه .إنه الضابط الطالب حسن الأحمدي،فتى في بداية عقده الثالث، وسيم نحيف البنية لا تفارق الابتسامة شفتيه. كان حسن طالبا محبوبا من أساتذتـه ،  ذكي ومجتهد حيث إنه لم يكن يتخلى عن المرتبة الأولى لأي من زملائه ، مما أهله لأن ينظم إلى شعبة الضباط الدركيين . هذه الشعبة التي يحلم كل طالب في الأكاديمية أن يلتحق بها ، حتى يضمن لنفسه مستقبلا رغيدا ، ومالا وفيرا، إضافة إلى السلطة والجاه .

الكولونيل محمد الإدريسي الذي أحب هذا الفتى  لنباهته ودماثة أخلاقه ، كان غالبا ما يدعوه إلى مكتبه ، يقدم له فنجان قهوة ، ويبادله الحديث في أمور الدراسة ، الأساتذة وظروف الإقامة وكل ما يتعلق بالأكاديمية العسكرية .كان حسن يذكر الكولونيل بفترة صباه حين كان بدوره طالبا ، بهذه المؤسسة .كانت الظروف غير الظروف ، ما عاشه الكولونيل هو وزملاؤه في هذه المؤسسة العريقة ، ربما لم يكن في المستوى الذي أصبحت عليه الآن .لقد تأهلت الأكاديمية وأصبحت تحتل مكانة مرموقة على صعيد القارة الإفريقية.

إضافة إلى هذه اللقاءات القصيرة التي كانت تجمع الضابطين في مكتب المدير، كان هذا الأخير كثيرا ما يدعو حسن إلى بيته ليتناول معه خلال عطلة نهاية الأسبوع ،وجبة الغداء رفقة زوجته خديجة وابنتيه فدوى وسارة .

كانت السيدة خديجة ربة بيت جميلة وماهرة في الطبخ وبكل ما يتعلق بشؤون بيتها ، كيف لا وهي سليلة  أسرة فاسية ذات نسب وحسب وثراء . الأسر الفاسية داع صيتها في كل ما يتعلق بأمور البيت بحيث أصبحت مضرب المثل في هذا المجال ، واستحقت نساؤها عن جدارة القول الشائع   : من لم يتزوج فاسية فقد مات أعزبا .

كان حسن يسعد بأن يلبي هذه الدعوات التي يخصه بها الكولونيل الإدريسي  ، بل كان الكثير من أصدقائه يحسدونه عليها ، فالدعوة إلى بيت مدير المؤسسة العسكرية الذي يهابه الجميع ، هو شرف ليس كمثله شرف . أما الجلوس معه على نفس المائدة رفقة زوجته وكريمتيه ، فقد كان حلما لا يجرؤ أي طالب حتى على التفكير فيه .

كانت فدوى أول فرحة والدها ، فتاة وهبتها الطبيعة جمالا رائقا وذكاء وقادا ، عيبها الوحيد أنها معتزة بذاتها إلى درجة الغرور والعجرفة .أختها سارة كانت على النقيض منها تماما فتاة متوسطة الجمال ، لا تقل عن أختها ذكاء ونباهة، لكنها تتميز  ببساطتها ودماثة خلقها .

فدوى كانت طالبة في السنة الثالثة بكلية الطب ، أما سارة فقد كانت تلميذة في السنة الأخيرة من تعليمها الثانوي .

مع مرور الأيام وتعدد الزيارات ، لاحظت الأم أن حسن يستلطف ابنتها فدوى ويطيل النظر إليها  ، أسرت لزوجها بما لاحظت ، قال الكولونيل :

_إذا ارتضته ابنتنا فأنا لا مانع لدي ، حسن شاب ممتاز والمستقبل أمامه ، لكن أنت تعرفين ابنتك .

ابتسمت الأم وقالت :

_دع هذا الأمر لي وأنا سأتصرف .

قال الكولونيل مبتسما :

_ الويل لمن باتت النساء تترصد الإيقاع به .

ضحكت خديجة وقالت :

_ أليس من حق الأم أن تطمئن على ابنتها .

_صحيح والمثل يقول اخطب لابنتك ولا تخطب ، لابنك .

وبالفعل بذلت الأم كل ما في وسعها لتقرب بين الشابين ، إلا أن فدوى التي سايرت أمها في مخططها ، لم تكن  متحمسة للارتباط  بحسن .هذا الأخير بذل كل ما في وسعه لنيل قلب فدوى .الفتاة لم تصده وفي نفس الوقت لم تبد ميولا خاصا اتجاهه  ، اقتنعت فدوى ،على مضض ،بحجج أمها التي أكدت لها  بأن حسن زوج مناسب وسيكون له شأن ، ومن غير المعقول أن تفوز به فتاة أخرى غيرها .

الكولونيل الذي علم بأمر فتور فدوى نحو حسن ، حذر الأم من تهور ابنتها ،مؤكدا لها أنها إذا رفضت حسن فلن يتدخل في شأن زواجها مستقبلا .ولأن فدوى كانت تحب أباها ولا تقو على إغضابه فقد وافقت على خطبة حسن لها  .

فترة الخطوبة طبعا فرصة توقع الوالدان أن يتم خلالها التقارب بين الشابين . الكولونيل كان على يقين من أن فدوى ونتيجة تربيتها ،لا ترفض حسن لشخصه بل لأنها لا تزال تريد أن تثبث ذاتها وتحقق أحلامها،كيف لا وهي ابنة الكولونيل محمد الإدريسي على سن ورمح .إنه مدير أهم مؤسسة عسكرية في الوطن بل في القارة بأسرها .فدوى كانت من النوع الذي يعتز بنفسه وبمكانة أبيها مما يجعلها لا تحب أن تعيش في جلباب خطيب أو زوج. هذا ما كان، حسب تقدير الأب ، يجعل فدوى تصر على الحافظ على استقلاليتها بعيدا عن أي التزام أو ارتباط ، لذلك توقع الأب أن تغير ابنته رأيها خلال  فترة الخطوبة ، خاصة وأن حسن شاب مؤدب وذو أخلاق رفيعة . كان الكولونيل على يقين أن فدوى ستلمس كل هذه المقومات الايجابية في حسن كما لمسها هو فيه ، وبذلك ترضى عنه  وربما تعلقت به وأحبته بصدق.

كل هذا فكر فيه محمد الإدريسي ، وهو يتأمل بأسى صورة حسن وهو يبتسم ابتسامته المشرقة بعينين وقادتي الذكاء .تساءل كيف سيخبر عائلته و فدوى بالخصوص  ، بأن الفحص الطبي الروتيني  الذي يجريه الطلبة كل سنة ،كشف عن إصابة حسن بداء السكري وبداية قصور كلوي ، واللجنة الطبية حسمت الأمر وأوصت بأن يعزل حسن من سلك الجندية لأن مستقبله الصحي يحول دون استمراره في الميدان العسكري .هذا القرار نزل على الكولونيل كالصاعقة .لم يتوقع أن يحدث هذا لحسن وهو في السنة الأخيرة من تخرجه ، كان يتوقع له مستقبلا زاهرا في سلك الجندية ، بل ربما في المشهد السياسي أيضا .طلب من الأطباء أن يتأكدوا من نتائج فحوصاتهم لعل خطأ ما تسرب إلى ما أجروه من تحاليل . لكن اللجنة الطبية التي أعادت الاختبارات إرضاء للمدير ، أكدت أن النتائج صحيحة ولا لبس فيها .

مر أكثر من أسبوع وهو عاجز عن اتخاذ القرار ، على الرغم من معرفته المسبقة أنه لا يستطيع شيئا في هكذا حالة ،وبعد أن أعياه التفكير ،قرر أن يتدخل لضمان مستقبل الفتى قبل أن يخبره بحقيقة ما ينتظره .اتصل ببعض معارفه في وزارة التربية الوطنية شرح لهم الأمر ، ثم طلب منهم أن يمكنوا حسن من الالتحاق  بسلك التعليم لأنه الأنسب له ،وافق المسئولون في الوزارة خاصة حين أخبرهم الكولونيل بأن حسن حاذق في  الرياضيات ، والوزارة تعاني  خصاصا في أساتذة هذه المادة .

ارتاح الكولونيل وتنفس الصعداء حين تمكن من ضمان مستقبل الفتى  .شعر ببعض الارتياح وهو يأمر سكرتيره  بدعوة حسن إلى مكتبه .إذا لم يكن نصيب لحسن في سلك الجندية فلن يصبح عاطلا عن العمل ، بل سيخرج من الأكاديمية لينتسب لسلك التعليم وهي مهنة شريفة ، وأبوه الفقيه كما أخبره حسن أكثر من مرة  تمنى لو أن ابنه اتجه إلى التعليم بذل الجيش .

قطع عليه حبل تفكيره طرق خفيف على الباب .قال الكولونيل وقد أدرك من الطارق:

_تفضل .

دخل حسن وهو يرتدي بدلته العسكرية الأنيقة ، قدم التحية الرسمية للكولونيل ، طلب منه هذا الأخير أن يجلس .جلس حسن بكل احترام ، وبقي ينتظر الأوامر ، ظن أن المدير يريد أن يحدثه في شأن العمل لأن الكولونيل معروف بصرامته ولا يحدث أي كان في أمر شخصي بين جدران مكتبه .

بحر من الصمت اجتاح الغرفة ، تساءل الكولونيل كيف سيتطرق إلى الموضوع ، وبعد أن صفن أكثر مما يجب ، سأل حسن :

_كيف هي صحتك يا ولدي ؟

استغرب حسن لهذا السؤال . لم يتوقعه . إنه  بصحة جيدة على الرغم من أنه في الآونة الأخيرة ،وجد نفسه كثير التردد على الحمام خاصة بالليل ، مع يبوسة في الفم ورغبة متكررة في شرب الماء ، وقد أجرى العديد من الفحوصات ، وعلى الرغم من أنه لم يتوصل بالنتيجة فهو على يقين أنه بخير .أجاب حسن :

 _ بخير والحمد لله .

قال الكولونيل ، وهو يتجنب النظر إلى  حسن :

_هل أنت متأكد ؟

_نعم سيادتكم

صمت هنيهة  ثم قال بقلق:

_ما الأمر سيدي؟

 

 

قال الكولونيل وهو يشعر بالكلمات ثقيلة كالصخر في فمه :

_توصلت بتقرير الأطباء  .

نبر حسن :

_  التقرير الطبي ؟

_ نعم يا حسن .. التحاليل الروتينية  لم تكن سليمة .

ساد الصمت ، قال حسن الذي لم يطق صبرا :

_ ماذا تعني سيدي الكولونيل ؟

قال الإدريسي بأسف ارتسم على تقاطيع محياه :

_أنت مريض يا ولدي .

صاح حسن :

_ بماذا ؟

_داء السكري ،مع خوف على أن يؤثر الداء على أعضاء أخرى في جسمك .

نزل الخبر على حسن كالصاعقة ، تبدلت ملامحه ، واحمرت مقلتاه وراح ينتظر الأسوأ .الكولونيل قرأ ما يجول في دماغ الفتى ، لذلك حاول ما أمكن أن يخبره بقرار اللجنة الطبية بأكيس طريقة ممكنة، وإن كان في قرارة نفسه يدرك أن لا توجد طريقة لطيفة و لا كيسة حين نقرر ذبح الضحية .استجمع كل ما يملك من شجاعة ثم قال :

_اسمع يا ولدي ، إن الحياة لا تسير دائما وفق ما نشتهي ، بل كل إنسان ليس له سوى قدر واحد لا بد أن يعيشه راضيا أو مكرها .وكل شيئ قسمة ونصيب .وأنت ..أنت ..

ساد الصمت ،رفضت الكلمات أن تخرج من بين شفتي الكولونيل .حسن الذي حدس أن ما سينطق به هذا الضابط السامي سيغير مجرى حياته ، بقيت عيناه معلقة بشفتي الكولونيل ،كما تتعلق عينا متهم بشفتي قاضي وهو يستعد للإصدار الحكم  بالإعدام .

سمع الكولونيل يقول :

_يبدو يا حسن أنك وعلى الرغم من كل مؤهلاتك  ، لم تخلق لتكون ضابطا في الجيش .

نبر حسن :

_ماذا تقصد سيدي ؟

قال الكولونيل ، وكأنه يتخلص من حمل ثقيل :

_اللجنة الطبية أوصت  ..أوصت بفصلك عن الأكاديمية .

أطبق الصمت على الغرفة ، بقي حسن ينظر أمامه ، كأن ما سمعه لا يعنيه ، بل يعني شخصا آخر غيره .توقع الكولونيل من حسن أن يحتج أو يندد أو أن يتفاعل مع الخبر بطريقة تظهر فجيعته أو على الأقل احتجاجه .لكنه ظل صامتا لا يتكلم كأنه تمثال أخرس .

رفع الفتى بصره نحو الكولونيل وقال :

_إذا كان هذا قدري فأنا أقبل به .

ابتسم بأسى وأضاف   :

_ لنقل أنني شاركت في أول معركة وسقطت صريعا فيها .

كبر حسن في عين المدير ،ردة فعله جعلت الكولونيل يزداد اقتناعا بأن الأكاديمية العسكرية قد فقدت واحدا من خيرة طلابها .

——–

كاتب الرواية عزيز أمعي

كاتب الرواية عزيز أمعي