رواية وريخا: 9

ma-press-09

وريخا9

فتح السيد بالقاسم عينيه عن آخرهما من الدهشة  وهو يسمع هذا الاسم الغريب .يا للهول ابنه الذي أرسله إلى بيت عسو باسم محمد ، هاهو يزعم أن جنية تسكنه اسمها وريخا .ارتفع  صوتا بدواخله يقول ،بحق السماء ما هذا الجنون الذي اسمعه من فم ابني ، كيف يتحول هذا الفتى من ذكر اسمه محمد إلى أنثى جنية تدعى وريخا هذا أمر لا يستسيغه عقل سليم .راودته فكرة أن ابنه اختل عقليا أو أن أحدا ما عمل له عملة أجهزت على قواه العقلية .قال وهو يصيح في وجهي ظانا أنه يحدث ابنه    :

_ وريخا ..ما هذا الاسم الغريب  يا ولد ..

ابتسمت وقلت :

_ألم يعجبك اسمي؟

صاح بالقاسم:

_يا ولد ربنا يهديك هل تريد أن تجنني؟ 

 حاول عسو أن يتدخل ،  أشرت إليه بيدي أن دع الرجل وشأنه .كنت أعرف أن الأب في وضع جد حرج ، قدرت شعوره وتفكيره الرافض لما يسمع ،لأن أي لبيب لا يمكن أن يستسلم بسرعة لحقيقة يرفضها العقل البشري أصلا .أن تسكن جنية جسد إنسان وأن تطل من خلاله على أهله مدعية أن الابن غائب عن الوعي ، انسحب إلى الخلف ليفسح المجال  لكائن مفارق للطبيعة البشرية يتحدث بلسانه زاعما أنه جنية احتلت بدن هذا الأخير  كما تحتل البلدان قهرا وغصبا .طبعا مثل هذه الحقيقة لن يتفق عليها اثنان فكيف لهذا الأب الذي اختلط عليه الحابل بالنابل ولم يعد بمستطاعه فهم ما يجري  .بقي ينظر إلى بصمت وعيناه   تحملان أسئلة لا حصر لها  .قلت :

طبعا أنت لا تصدق أنني جنية أسكن جسد ابنك ، وربما لن تصدق ذلك حتى ولو خرجت إليك ورأيتني بالعين المجردة .أنا أعذرك وأتفهم شعورك كما أعرف أن هذا الأمر يصعب عليك استيعابه، ولكن سأحاول قد المستطاع أن أجعلك تقتنع .

 التفت  بالقاسم إلى عسو كأنه يريد أن يتأكد أنه لا زال جالسا إلى جواره  ،كان يريد أن يطمئن إلى أنه ليس لوحده في الغرفة  وأن هناك من يشهد معه مجريات ما يقع  ، حتى لا يعتقد أنه  نائم يعيش أطوار كابوس لا يدري متى سيستيقظ منه ..،ابتسمت وأنا أقرأ أفكاره كأنها كتاب مفتوح ، قلت و  أنا أمد يدي إليه :

_ هات يدك .

لم يستجب ، بقي ينقل النظر بيني وبين عسو وهو في حيرة شديدة  .قلت وأنا أبتسم كي أجعله يتشجع ويطمئن إلى أني لا أريد به سوءا :

_ لا تخف ..مد يدك .

بصعوبة ناولني يده ،أمرته  :

_ قل آتينا ..

لم يستوعب أي من الرجلين قصدي ، لكن عسو كان أجرا من ضيفه  قال :

_افعل ما يأمرك به .

مد الرجل بارتباك يده .قلت بحزم :

_قل آتينا .

ردد الرجل مسلوب الإرادة  :

_أتينا

_ مرة أخرى

صاح بغضب:

_ لا حول ولا قوة إلا بالله ..آتينا ياسيدي

ما كاد ينهي الكلمة الأخيرة، حتى نبقت في راحته رمانة على الرغم من أن الفصل لم يكن فصل خريف . بهت الرجلان ، ندت عن السيد بلقاسم  صرخة  من هول المفاجأة ، هرعت حدهوم نحوهما يتبعها أطفالها .قال عسو مخاطبا زوجته وهو لا يزال تحت  تأثير المفاجأة  :

_ لا بأس ..لا بأس خذي الأطفال وعودي إلى شغلك .

قالت حدهوم :

_ما الذي يقع لماذا هذه الصرخة ؟

قال عسو :

_قلت لك اخرجي الآن ودعينا وحدنا .

استجابت المرأة لأمر زوجها ،وإن كنت أعلم أنها لا زالت تتابع ما يحدث  خلف الباب .قلت وأنا أرى ما نجم عن  تصرفي من دهشة لدى الجميع :

_ والآن هل اقتنعت بقولي أيها السيد  ؟

قال عسو :

_أنا أصدقك أنسة وريخا وأرجو أن تغفري لأب محمد ما صدر عنه من تصرف أرعن .

قال بالقاسم وكأنه تجاوز مرحلة الصدمة :

_ أرعن ..أنا أرعن يا عسو ، والله لن أغادر بيتك حتى آخذ أبني معي .ولدي الذي تركته في بيتك على أساس أن يرعى غنمك ،ها أنتم تتلاعبون بعقله حتى أصبح يهدي كالمجانين .

هب واقفا وخاطبني قائلا :

_هيا استعد ستغادر معي ، ودعني من وساوس الشيطان.سآخذك إلى  فقيه مدشرنا ليعالجك إذا كان حقا قد ألم بك مس من الجن نعم لا بد أن يعالجك ، وإذا عجز عن تخليصك من هذه الوساوس ، فسأعرضك على  غيره إلى أن تشفى من هذا المرض الذي  اعتراك في هذا الدوار .قال قوله هذا وهو ينظر إلى عسو نظرة اتهام ، أدرك هذا الأخير معناها وإن ظل صامتا لا يدري كيف يرد على اتهامات  بلقاسم .  

قلت بهدوء :

_ لا يا سيد  سأبقى في بيت هذا الرجل ، إلى أن أقرر ما سأفعله .

استشاط الرجل غضبا وقال :

_ أنت أبني ولي عليك حق الطاعة ، سترافقني طوعا أو غصبا .

قال قوله هذا ،ثم تناول عصا ه الغليظة وراح يهددني بها . توقعت أن يهم بضربي إذا رفضت مرافقته ،لذلك قررت أن أريه مشهدا أقوى لعله يرتدع ويتركني أقرر ما شئت .  قفزت بسرعة خارقة إلى الحائط المقابل ثم إلى إلى الحائط الموالي ،وبحركة بهلوانية تعلقت بالسقف ،يداي ورجلاي إلى الأعلى ورأسي إلى الأسفل ، قلت وأنا أنظر إليه من أعلى  :

_ما قولك سيد بلقاسم ؟

هذه المرة لم يتمالك عسو نفسه ،قال متوسلا :

_ أرجوك أيتها الجنية كفي عنا شرك .

السيد بلقاسم أصابه الخرس ،غمر يم من الصمت الغرفة ،ولم يخترقه سوى صوت ارتطام حدهوم بالأرض خلف الباب فاقدة الوعي كأنها غادرت إلى دار البقاء.

——–

كاتب الرواية عزيز أمعي

كاتب الرواية عزيز أمعي