رواية وريخا: 8

ma-press-09

رضخت حيمة على مضض لرجائي، ورحنا معا نعالج كل مريض يعرض علينا. طفقت سمعتي تجوب الأفاق خاصة حين كنت أتمكن من علاج حالات استعصت على الطبيب الوحيد الذي كان يحضر مرتين في الأسبوع إلى مستوصف صغير بقرية تاهلة.

طلبت مني حيمة الاقتصار على ما هو طبي محض، دون اللجوء إلى توظيف ما نملك من مهارات ومعارف أخرى حتى لا أخلق البلبلة بين الإنس. طبعاً ضربت بنصيحتها عرض الحائط ورحت أقدم المساعدة للناس ما أمكنني ذلك. كان بعض الأشخاص يطلبون مني المساعدة في أمور يعجز الطب البشري عن فهمها. أذكر هنا على سبيل المثال لا الحصر، أولئك العرسان الذين كانوا يفشلون في أول ليلة زوجية لهم. تحبط العروس وتهان فحولة العريس فتراوده الرغبة في الانتحار. يهرعون إلي يحملون الرجاء والأمل في نفوسهم. أرق لحالهم وأقوم بالواجب بحيث لا يخرج العروسان من بيت عسو، الذي أصبح عيادة خاصة بي، إلا وقد تعالت الزغاريد معلنة عن انتهاء الأزمة وبلوغ المراد.

وقد ذاعت شهرتي وسار بذكرها الركبان، حين شرعت أتنبأ ببعض الأحداث التي كانت تتحقق فعلاً. حدث هذا أول مرة حين استدعيت لمعاينة سيدة كانت على وشك الوضع، لكن الجنين كان يأبى أن يخرج للوجود والمرأة تصرخ من الألم وهي على مشارف الهلاك. بعد أن فحصتها، قلت مخاطباً أمها التي كانت تنظر إلي بعينين مفعمتين بالقلق:

-الولد مستقر بشكل غير طبيعي، لا بد من ذلك بطن الأم لنعيد الجنين إلى وضعه الأصلي. قالت امرأة أخرى كانت حاضرة:

-وكيف عرفت أنه ولد؟

ابتسمت، ونعلت في سري المرأة لدقة ملاحظتها، ثم قلت مستسلمة:

-نعم إنه ولد.

بقي الحاضرون ينظرون إلى بعضهم وقد عقدت الدهشة ألسنتهم. تمكنت المرأة أخيراً من الوضع، عندها هرعت المرأة لتتأكد من جنس المولود، وحين اكتشفت أنه بالفعل ذكر. صاحت تفضحني:

-هذا الفتى يتنبأ بالغيب ..هذا الفتى يتنبأ بالغيب.

منذ ذلك الوقت اشتهرت كعرافة أكثر مني كطبيبة، لأن الناس بفطرتهم يميلون لمن يتنبأ لهم بالغيب أكثر ممن يعالجهم بالعلم.

فاض الخير في البيت، وأصبح عسو ينعم بحبوحة في العيش. استقالتي من رعي الغنم كانت تحصيل حاصل لأنه لم يكن بالإمكان أن أهتم بالزوار وأرعى الغنم في نفس الوقت.

المشكل الوحيد الذي لم يفكر فيه رب البيت، بسبب تسارع الأحداث، هو والد محمد. ذات يوم وبينما كان الزوار جالسين في فناء البيت ينتظرون دورهم، إذا برجل يلج البيت دون استئذان وهو يصيح:

-أين ابني؟.. أريد أن أرى ابني.

تأمله الحاضرون بدهشة، بعضهم عرفه والبعض الآخر أنكره. هرع إليه عسو، قال وهو يحاول تهدئة الرجل:

-أهلاً سي بالقاسم مرحباً ….

قاطعه بالقاسم قائلاً:

-أين ابني .. أين ابني؟

-ابنك موجود وهو ..

-أريد أن أراه فوراً.

قال عسو وهو يحاول أن يحافظ على هدوئه:

-طبعاً هذا من حقك، ارتح أولاً من عنت السفر و…

مرة أخرى قاطعه الرجل:

-لا شأن لك براحتي.. أريد أن أرى ابني.

وقبل أن يتحرك عسو، خرجت إليهما. طبعاً لم أكن قد رأيت الرجل سابقاً، تأملته جيدا كان رجلا مسناً طويل القامة ضامر الوجه بلحية بيضاء طويلة. أدركت وأنا أقرأ أفكاره أنه من النوع المتسلط، يحب المال أكثر من فلذة كبده، ولعل ذلك ما كان يدفعه لاستغلال محمد في الرعي غير آبه بسنه، كما فعل بولدين آخرين غيره.

قلت:

-مرحبا أبي..

هرع إلي عانقني وهو يقول:

-آه بني ما الذي حدث؟ ما هذا الذي سمعته عنك؟

أدركت أن الجلسة ستطول مع والد محمد أكثر مما يجب. لقد جاء الرجل وفي نيته استرجاع ابنه، لأن ما سيجني الآن من ورائه أهم وأثمن من واجب الرعي الذي كان يحصل عليه نهاية كل حول.

طلبت من السيد عسو أن يعتذر للحاضرين لأنه لن يكون بمقدوري استقبالهم. بعدما خرج الجميع، قلت موجها الخطاب لأب محمد، أو ما سأسميه منذ الآن الخشبة:

-تفضل اجلس لا بد أن نتكلم.

قال وهو ينظر إلي بحسم:

-لا بني لن أجلس، أنا أتيت لآخذك ونعود إلى بيتنا.

نبر عسو:

-تأخذه .. كيف تأخذه، ومن سيرعى غنمي.

نظر إليه بالقاسم بغضب ثم قال:

-الله ينور عليك، قلت الرعي. أريد أن أسألك هل يرعى ابني غنمك؟

ارتبك عسو وقال:

-حاليا لا .. ولكن …

كان واضحاً أن الرجلين لن يصلا إلى حل يرضيهما معا لذلك تدخلت، وقلت:

-أرجوك سي بالقاسم، لا بد من الجلوس  كي نتفاهم.

نظر إلي باستغراب وقال:

-كيف تناديني سي بالقاسم يا ولد ألست والدك.

دون أن أجيب أشرت له مرة أخرى بالجلوس. أمسكه عسو من يده وأجلسه مرغما. كان الرجلان ينظران إلي بترقب، ينتظران ما الذي أريد قوله، وبعد فترة صمت غير قصيرة قلت:

-يجب أن تنصتا إلي جيدا دون اندفاع، لأن ما سأخبركما به أخشى أن يكون صعباً على إدراككما.

عاد الصمت يخيم على مجلسنا، قطعه أبو محمد قائلاً:

-ما ذا تعني يا محمد؟

نظرت إليه بإمعان ثم قلت:

-أنا لست محمدا ..لست ابنك سيد بالقاسم.

صاح الرجل:

-ما هذا الكلام يا ولد هل جننت؟ كيف تزعم أنك لست ابني هل تريد أن تتنكر لأبيك؟

ابتسمت وقلت:

-أنت لست أبي يا سيد .. وما تراه أمامك ليس سوى الخشبة.

نبر الرجلان معا:

-الخشبة.

-نعم الخشبة .. الخشبة أيها السيدان هو جسد محمد الذي قررت أن أسكنه منذ مدة.

 قال عسو وعيناه تبرقان كأنه وجد أخيرا الحل للغز الذي حيره طويلا:

-كنت على يقين أن هذا الولد يسكنه جني.

قلت:

-جنية من فضلك.

نسي السيد عسو أب محمد الذي أصبح أخرسا لا يستطيع الكلام، قال وقد توفزت أعصابه استعداداً للحوار مع كائن جاء من وراء البرزخ:

-مرحب سيدتي شرف كبير لنا أن تشرفيني في بيتي.

ابتسمت وقلت:

-آنسة من فضلك أنا لم أتزوج بعد.

قال بأدب جم:

-معذرة آنستي، على كل حال أهلا بك ومرحبا.

-شكراً سيد عسو، أنا أعرف أنك رجل شهم وكريم.

قال وهو يمسح على لحيته الغسقية:

-هل لي أن أسألك سؤالا؟

-تفضل اسأل ما بدا لك؟

-هل لك أن تشرفيني باسمك؟

قلت والابتسامة لا زالت على شفتي:

-بكل سرور سيد عسو .. اسمي وريخا.

———-

كاتب الرواية عزيز أمعي

كاتب الرواية عزيز أمعي