رواية وريخا: 7

 ma-press-09

وريخا 7

بعد يومين، وفي ليلة ظلماء حالكة أغرق فيها يم الغسق كل ما في الوجود. اخترقت صرخة سكون الليل في بيت السيد عسو، طبعاً كانت الصرخة صرخة حدهوم التي ألم بها وجع الكلى على حين غرة. سمعت زوجها الذي هب فزعا يقول:

-ما بك يا امرأة ..ما الذي يوجعك؟

كان الألم يعتصر جسدها، لم تجبه سوى بالمزيد من الصراخ والأنين، أشعل الفانوس، على ضوئه الباهت رأى شبح الألم يرسم أشكالا سريالية على محيا زوجته. حثها على الإفصاح عما بها، حاولت أن تتكلم لكن شفتيها لم تكونا تقويان سوى على مواصلة الآهات المعبرة عن آلامها، وبعد إلحاح زوجها في السؤال صاحت:

-أشعر.. بألم فضيع.. في خاصرتي.

 طفق عسو يجس خاصرتها بأنامله، لكنه ما كاد يدنو من الكلية اليمنى، حتى ارتفع صراخ حدهوم لكن هذه المرة بشكل أقوى. قال الرجل وهو ينظر إلى زوجته بإشفاق:

 -أعتقد أنها الكلى.

قالت وهي تعظ على شفتها السفلى من الألم:

-صدقت ..لا .. شك .. أنها هي.

احتار عسو كيف يتصرف وهو يرى زوجته تتمزق أحشاؤها من الألم. في هذه الأثناء اقتحم الأطفال، الذين سمعوا صراخ أمهم، الغرفة. تحلقوا حول حدهوم وقد امتلأت عيونهم البريئة جزعا عليها. طلب من ابنيه معا أن يذهبا إلى بيت جدتهما لأمهما ويطلبا منها الحضور فوراً.

غادر الطفلان بسرعة غير آبهين بوحشة الظلام، وما هي سوى فترة قصيرة حتى دخلت امرأة تجاوزت العقد السادس من عمرها. كانت السيدة ضئيلة عجفاء، كسرت القاعدة التي تؤكد أن الابنة نسخة أخرى من أمها. لم يكن هناك أي شبه بينها وبين حدهوم، على عكس الفتاة التي كانت ترافقها، كانت هذه الأخيرة تحمل من ملامح العجوز الشيء الكثير، بحيث إن الأمر لم يكن يتطلب الكثير من الذكاء لمعرفة أن الشابة من نسل مرافقتها.

اتجهت السيدة المسنة نحو ابنتها التي كانت لا تزال تتوجع، ضمتها إلى صدرها وهي تقول:

-ما الأمر حبيبتي ما الذي يؤلمك؟

قال عسو :

-إنها الكلى خالة مريم.

نبرت مريم:

- الكلى يا حفيظ .. طالما عانيت منهما الأمرين بدوري.

قالت الفتاة تخاطب أمها:

-ماذا سنفعل يا أمي ؟

 قالت العجوز  :

-فاطمة ..هيئي عشب مكسر الحصى لعله يخفف من آلام أختك  .

ثم التفتت إلى ابنتها تسألها إن كان في البيت بعض من هذه الأعشاب، قالت حدهوم وهي لا تزال تتألم :

إنها.. في ..الرف .

اتجهت فاطمة بسرعة إلى المكان المحدد، تناولت الأعشاب قامت بفرزها، وضعت المطلوب في إناء صغير مملوء بالماء، ثم أضرمت النار.

المشكلة أن الوصفة وبعد مرور أكثر من ساعة، لم تسفر عن أي نتيجة ولم تحقق المطلوب. الألم كان يزداد حدة، مما جعل صراخ المرأة لا ينقطع. أبناؤها كانوا يجهشون بالبكاء حزنا وقلقا على أمهم. هذا المشهد أثر في بشكل قوي، عندها قررت أن أتصرف وأنا أعلم علم اليقين أن ما سأقوم به سيكشف هويتي وسيغير مجرى حياة محمد إلى الأبد.

اتصلت فوراً بحيمة، طلبت منها أن تأتيني بحقنة خاصة تنفع بشكل جيد في هكذا حالة. قلت مخاطبة الجميع :

-هل من المكن أن تتركوني معها للحظة؟

نظر إلي الجميع باستغراب، العجوز وابنتها كانتا الأكثر اندهاشاً من هذا الطلب، قالت فاطمة :

-ما الذي يقوله هذا الراعي ؟

قال عسو وقد تحمس لطلبي:

-كما سمعتما .

قالت أمها وهي تنظر إليه باستغراب :

-وهل أنت موافق على طلبه، ثم ما الذي سيفعله…

قاطعتها :

-إذا تركتموني معها ستصبح بخير بإذن الله .

قال عسو :

- إذن هيا ليخرج الجميع .

ما إن خرج عسو رفقة المرأتين، حتى أخذت الحقنة وبطريقة لا يتقنها سوى الجن، أفرغت المحتوى في ورك المريضة. بعد أقل من ربع ساعة كانت المرأة تغط في سباتها. فتحت الباب دخل الجميع طلبت منهم أن لا يوقظوها وأن يتركوها ترتاح.

عقدت الدهشة ألسنة الجميع، وراحوا ينظرون إلي وفي مقلهم سؤال واحد ووحيد: كيف تمكن هذا الراعي من علاج مريضتهم بهذه السرعة .

في الغد استيقظت حدهوم من نومها وهي بصحة وعافية. أخبروها بتفاصيل ما حدث، اتجهت نحوي ضمتني إلى صدرها وقبلتني على جبيني. تأملتني مجددا وهي تقول :

-طالما أخبرت عسو بأن هذا الفتى حلت به البركة، لكنه أبى أن يصدقني .

نظرت فاطمة إلى أمها، هذه بدورها لم تفهم شيئا مما قالت ابنتها، وقبل أن يتدخل الزوج لكبح ما قد يصدر عن زوجته من زلات لسان، كانت حدهوم قد استرسلت في حديثها مخبرة أمها وأختها بما لاحظته من تغيير في سلوك وتصرفات محمد.

طبعا ما كادت شمس ذلك النهار تغيب، حتى كانت سيرة محمد على كل لسان، كل واحد من سكان القرية كان يضيف للقصة ما يشاء من توابل ليظهر للذين يستمعون، أنه يملك أسرارا خاصة عن محمد لا يملكها الآخرون .

عسو الذي أصبح بيته محجا للزوار الذين جاؤوا متذرعين بالعديد من الحجج لرؤية الولد الظاهرة، منع هذا الأخير من الخروج للرعي. طلب من أحد أفراد بني عمومته أن يتكلف برعي غنمه في انتظار أن تتراجع حمى الاهتمام بمحمد.

لكن الحمى لم تتراجع، انتشر الخبر انتشار النار في الهشيم. سكان المداشر المجاورة والذين سمعوا بالفتى المعجزة حملوا مرضاهم واتجهوا بهم إلى بيت عسو  .

طبعا نسيت نفسي كجنية يجب أن تظل في الخفاء، ورحت أتصرف كطبيبة، تساعدني حيمة مكرهة على علاج هؤلاء الناس .في البدء رفضت أن تسايرني في لعبتي، قالت بغضب :

-مالنا ومشاكل الإنس التي لا تنتهي.

أجبتها باستعطاف :

-حرام عليك، انظري إلى حالة هؤلاء البؤساء، لا مستشفيات، ولا أطباء. كيف يسمح لك ضميرك بأن تظني عليهم بالمساعدة؟

————–

كاتب الرواية عزيز أمعي

كاتب الرواية عزيز أمعي