رواية وريخا: 5

ma-press-09

وريخا 5

بعد أن خلصت المرأة من التأثير الشبه مغناطيسي الذي شل قدرتها على التفكير، قالت وهي تعود إلى حالتها الطبيعية:

-ما بك يا فتى؟

حدس المرأة طبعا لا يضلها، حاستها السادسة أنبأتها بأن تغيرا ما طرأ على محمد أجبت:

-لا شيء

بقيت تروزني بعينين متسائلتين، دون أن تنبس ببنت شفة. كانت تبحث عن سر التغيير الذي لاحظته، لكن بحثها لم يثمر أي نتيجة، قالت مستسلمة، على الرغم من أن عنكبوت الشك كان قد بدأ ينسج خيوطه بدواخلها:

-إذا كنت قد انتهيت من إدخال الغنم إلى الزريبة، فتعال تضع لقمة في فمك.

أجبت:

-لا رغبة لي في الأكل.

نظرت إلي بمزيد من الاستغراب وقالت:

-ما بك يا ولد، أراك اليوم على غير عادتك؟

قلت، وأنا أحاول أن أطمئنها:

-تعبت وأريد أن أستريح.

ودون أن أنتظر تعليقها اتجهت نحو مخدع النوم، حاولت أن أختفي عن الأنظار، لأن جسم الفتى وكما كان متوقعا أظهر بعض أعراض الاعتلال بسبب استقباله لكائن غريب عنه، ارتفعت درجة حرارة الجسد الغض، وطفق يرتجف. بالنسبة لي الأمر كان طبيعيا وكنت أعرف أن الفتى سيتجاوز هذه الوعكة بعد حين، لكن خشيت أن تقلق السيدة حدهوم وزوجها إذا ما لاحظا ما يحدث للراعي.

وهذا ما حدث بالفعل فما كاد الزوج يعود إلى بيته حتى استقبلته زوجته على غير عادتها، قال وهو ينظر إليها متوقعا أن تخبره بنبأ مشؤوم:

-خير يا ولية ما الأمر؟

همست قائلة:

محمد ..

-ما به محمد؟

-ما رأيته مثل اليوم أبدا.

نظر إليها زوجها باستغراب وقال:

-ماذا تقصدين يا امرأة؟

ساد الصمت هنيهة ثم قالت:

-لا أدري ماذا أقول .. لكن ينتابني إحساس بأن الولد ليس هو الولد.

نبر الزوج:

-ما هذا الهذيان يا ولية، ماذا تعنين بأن الولد ليس هو الولد هل جننت؟

قالت المرأة وهي لا تعرف كيف تشرح إحساسها:

-لأول مرة أنكره منذ أن وفد إلى هذا البيت، بدا اليوم غريبا ومختلفا.

قال عسو حاسما الأمر:

-أقلقتني يا امرأة دون سبب، دعيني من تخريفك، وهيئي لي الماء الدافئ لأتوضأ.

حين أعدت حدهوم وجبة العشاء اتجهت نحو غرفة الفتى لتدعوه لتناول الطعام. ما كادت تضع يدها على جبهته، حتى ندت عنها صرخة، كانت حرارة جسد محمد جد مرتفعة، صاحت تدعو زوجها:

- ما الأمر؟ قال عسو.

- محمد ..

- ما لك ومال محمد الليلة؟

- أسرع جسده يلتهب يا رجل.

دنا عسو من محمد وضع، يده على جبهته، تغيرت ملامحه وقال:

-الولد مريض جدا، آتيني بخرقة وبالماء الفاتر.

جاءت المرأة بما طلب زوجها، حاول الرجل أن يسيطر على درجة الحرارة، لكن هذه الأخيرة أصرت على الحفاظ على إيقاعها المرتفع. أعدت حدهوم مجموعة من الوصفات المعروفة لتخفيض الحرارة لكن دون نتيجة، قالت وهي تنظر إلى زوجها:

-أصبحت أخشى على الولد، كل الوصفات المعروفة جربناها لكن لا فائدة.

قال عسو وهو يهم بالنهوض:

-لا بد أن أذهب إلى الفقيه لعله يسعفنا بعلاج ناجع لهذا الولد.

وقبل أن ينهض أمسكْتُه من ردن جلبابه وقلت:

-انتظر .. الفقيه لن ينفعني في شيء .. أنا سأشرح لكما.. ما يجب فعله.

وباختصار شديد حددت لهما بعض الأعشاب التي تساعد على تخفيض الحرارة، طلبت من حدهوم أن تطبخها في الحليب وتأتيني بها.

بقي الزوجان ينظران إلى بعضهما، ولسان حالهما يقول من أين يعرف هذا الفتى هكذا وصفة. لكن الرجل بادر زوجته قائلا:

-هيا افعلي ما أمرك به، لعل هذه الوصفة تشفيه.

بعد فترة وجيزة، جاءت تحمل كوبا من الحليب، رفع عسو رأس محمد وساعده على شرب الدواء. قلت أطمئنهما:

-دعوني أنام وفي الصباح سأكون بخير.

في الغد فوجئ الزوجان وهما يلمحاني واقفا أمامهما بصحة وعافية، كأنني لم أكن معتلا بالأمس. هرعت نحوي حدهوم وهي تقول:

-كيف أصبحت بني؟

ابتسمت وقلت:

-كما ترين أنا بخير والحمد لله.

نظرت إلى زوجها ولسان حالها يقول، ما رأيك؟ قال عسو:

-لقد أقلقتنا عليك بالأمس، حرارتك كانت جد مرتفعة.

ابتسمت وقلت:

-لكنها زالت والحمد لله.

قال عسو بعدما نظر إلي نظرة خاصة:

-أنت من وصف العلاج لنفسك؟

وحين لم يتلق جوابا مني، أضاف:

-من أين لك علم بمثل هذه الوصفة؟

الحقيقة لم أجد مبررا مقنعا أقدمه للزوجين اللذين كانا يريدان فهم سر معرفتي بالوصفات الطبية. قلت وأنا أهم بالخروج من البيت:

الحقيقة أنا لا أتذكر شيئا.

 ———

كاتب الرواية عزيز أمعي

كاتب الرواية عزيز أمعي