رواية وريخا: 4

ma-press-09

 رواية وريخا 4

كل هذا كنت أعرفه وأعرف حماقة ما أنا مقبلة عليه من مشاكل. أولها غضب والدي، وثانيها ضرورة التخلي عن امتيازات لن أجد نظيرا لها في عالم الإنس. طبعا كنت أتمنى لو كان بإمكاني خوض التجربة دون التفريط في هكذا امتيازات. لكن الرغبة تأججت ناراً  بدواخلي  تلتهم كل العوائق التي كان من المفروض أن تردعني عن تهوري وتجعلني أعدل عن قراري الأرعن.

قضيت عدة ليالي دون أن يغمض لي جفن، أقلب الأمر على  مختلف وجوهه. لا أدري كم عدد المرات التي عقدت فيها العزم على التخلي عن مشروعي محاولة أن أعقل نفسي قبل أن يعقلني الآخرون . لكن قراراتي كانت تتبخر مع أول نسمة من نسمات  الصباح. تجتاحني  الرغبة في معاودة رؤية الصبي مرة أخرى.

زوليخة أمي، حين علمت أخيراً بنزواتي وبما عقدت العزم عليه، عارضت رغبتي بشدة، حاولت تذكيري بمخاطر ما أنا مقبلة عليه. ذكرتني بخبث أغلب الإنس والمشاكل التي ستسبب لي  الأذى إذا ما قررت العيش بينهم. هددتني بأن تخبر أبي إذا لم أضع عقلي في رأسي وأتراجع عن قراري. اجتاحني إحساس بالرعب وأنا أسمع أمي تهددني. حبي لوالدي  وخشيتي من أن أغضبه، كانا كفيلان بأن يجعلاني أفكر في الأمر بدل المرة ألفاً، رجوت أمي بأن لا تخبر أبي وأن تتريث  إلى ما بعد، رفضت في البدء، لكن أمام توسلاتي وإلحاحي استجابت مشترطة علي أن لا أعود لرؤية الصبي وأن أنصرف لدراستي بكل جد واجتهاد.

وعدتها بأن أحاول أن أقتدي بنصائحها، لكنني لم أف بوعدي. وبعد أسبوع عدت إلى رؤية الصبي. حين دنوت منه وأصبحت أفكاره في متناولي، أشفقت عليه من الحزن الذي كان يشعر به بسبب انقطاع الوجبات اللذيذة التي كان يتوصل بها مني. كان كالطفل الذي فطم فجأة، وأصبح يعيش تعاسة الفطام الأليمة.

اقتربت  منه دون أن يراني. وضعت الطعام في مزوده على حين غفلة منه، ثم ابتعدت لأرى كيف ستكون ردة فعله، ما كاد يعثر على الوجبة التي افتقدها ، حتى  ارتسمت الدهشة على محياه، وهب واقفا يبحث عن  ملاكه الحارس الذي شعر بأنه عاد أخيرا للاعتناء به، بعدما ظن أنه قد هجره و تركه إلى الأبد. وحين لم يعثر على أي كان، جلس وهو يبتسم  يغمره إحساس بأني غير بعيدة عنه. كان لسان حاله  يقول: أعرف أنك هنا تراقبينني عن كثب، شكرا لأنك عدت وشكراً على هذه المأدبة الدسمة، ثم طفق يلتهم الطعام اللذيذ الذي اشتاق إليه اشتياق الصب لحبيبه.

هذا المساء لم يعد بقطيعه إلى بيت سيده وحيداً ، بل عدنا معا، جسدي صار جسده وهو أصبح أنا، تحولنا معا إلى كائنين في كائن واحد، لا تسألوني كيف تم الاندماج بيننا، لأن ذلك من الأسرار التي لا يمكن البوح بها. لكن صدقوني لم يحدث الأمر بالسهولة التي قد يتصورها بعضكم.

هكذا خرقت قانون أهلي وعشيرتي، ومن يتحدى الناموس الأزلي للجن لا بد أن يعاقب، لم يغب عن ذهني ذلك ولم أكن غافلة عما ينتظرني من أهلي أولا ومن لجنة العقاب ثانيا. لكن ما العمل؟ كانت الرغبة، أو ربما قدري أقوى مني، لذلك قررت أن أتبع المشوار الذي بدأته حتى نهاية المطاف. ما كان ينتظرني  من عقاب قررت أن أأجل التفكير فيه إلى ما بعد.

حين بلغت إلى دوار لْبحاير وهو اسم المدشر الذي كان يقطن به الفتى، المدشر كان  عبارة عن  بعض المنازل الطينية المتفرقة هنا وهناك، سقت القطيع إلى الزريبة، ثم اتجهت نحو البيت الطيني الذي تسكنه العائلة.

أول من استقبلني في البيت، بعض الأطفال الصغار بعمر الزهور، كانوا  ثلاثة، بنت وصبيين. كانوا قبل أن أهل عليهم  يلعبون بمرح في باحة البيت، ما كاد يقع بصرهم علي حتى اتجهوا نحوي وهم يصرخون:

- محمد.. محمد تعال لتلعب معنا.

وقبل أن أجيبهم نيابة عن محمد، رأيت سيدة في منتصف العمر تخرج من البيت، كانت إمرة قصيرة بملامح لا يمكن تحديدها، بدينة بشكل لافت مما كان يجعل حركتها بطيئة،  ما كادت تلتقي نظراتنا حتى أدركت أن اسمها حدهوم، وزوجها يدعى عسو وهو اختصار لأسم عبد السلام، بقيت تنظر إلي غير قادرة على تحويل عينيها عني أو النطق بأي كلمة. كانت مرتبكة دون أن  تدري لماذا، أما أنا فقد تسربت إلى  تلافيف دماغها ورحت أنهل منه كل المعلومات الخاصة بها وبعائلتها، فوجئت بأنها ستقع طريحة الفراش بعد يومين على الأكثر بسبب انتفاخ في الكلي ناجم عن إصابتها بداء السكري، هذا الداء الوبيل الذي كانت المرأة تجهل أنها مصابة به أصلاً.

كاتب الرواية عزيز أمعي

كاتب الرواية عزيز أمعي