رواية وريخا: 3

ma-press-09

وريخا 3

ذات يوم وخلال عودتي مع حيمة من إحدى دول الشرق، لمحت فتى لا يتجاوز السادسة عشرة من عمره، يرعى الغنم وحيدا في البراري. لا أدري لماذا أثار هذا الراعي انتباهي، أنا التي رأيت ما حصر له من الرعاة في شتى أصقاع الأرض. طلبت من حيمة أن تتريث قليلا، سألتني:

- ما بك ؟

قلت وأنا أشير إلى الفتى الذي يرعى الغنم:

- انظري إلى هذا الصبي ؟

- ما به ؟

- إنه يثير الشفقة، ملامح وجهه البئيسة، شعره الأكرث إضافة إلى ثيابه الرثة، وهو جالس يتأمل غنمه، كل هذا شد اهتمامي.

ابتسمت حيمة ساخرة وقالت:

- دعينا من حماقاتك وهيا بنا نعود إلى ديارنا، لقد تأخرنا أكثر مما يجب.

لكن حين رأتني ساهية أتأمل الراعي بكل اهتمام، قالت وهي تجذبني من ساعدي:

- هيا يا مجنونة .. سبحان الله كأنك لم تري راعيا من قبل.

أجبتها:

- لا ..لا لقد رأيت لكن لا أدري لماذا يثير هذا الراعي اهتماما خاصا لدي ؟

غادرنا المكان وأنا عاقدة العزم كل العزم على العودة إليه مرة ثانية. وكما يبدأ الإنسان الإدمان بجرعات قليلة إلى أن يصبح أسير إدمانه، بدأت زياراتي الخاطفة إلى حيث كان يخرج الراعي تتكرر شيئا فشيئا إلى أن أصبحت عادة ملحة لدي.

لاحظت أنه يخرج إلى الرعي بزاد بسيط، خبز أسود وفصوص من البصل وقارورة صغيرة بها زيت الزيتون. كنت أعلم أن هذا النمط الغذائي هو السائد لدى الرعاة مما يسبب لهم أمراضا مرتبطة بسوء التغذية. أشفقت عليه وطفقت أحمل إليه ما لد وطاب من الأكل، لكن بكمية تكفيه فحسب حتى لا يثير الشكوك في بيته. في البدء استمتعت كثيرا بحركاته التي كشفت عن مدى ذهوله وهو يجد خبزة من القمح الصافي إلى جانبها نصف دجاجة مشوية.

أذكر كيف أخرج ما وجد في مزوده من أكل،  ندت عنه صرخة دهشة، أمسك الوجبة بين يده، هب واقفا وراح ينظر يمينا ويسارا لعله يعثر على الذي وضع الأكل في جرابه. وحين لم يعثر على أي كان، عاد إلى الجلوس، وراح يلتهم ما بين يديه بسرعة أدهشتني حتى خشيت أن يصاب بأذى. بعد أن أنهي الطعام مسح فمه بردن قميصه الرث، ثم زحف إلى فيء شجرة واستسلم للنوم غير آبه بمصير غنمه.

مع مرور الأيام بدأ الراعي يألف وجود الوجبة اليومية في جرابه، بل إنه كان يتعمد المجيء إلى نفس المكان ليتلقى هديته، كأنه كان يخشى أن أتوه عنه إذا ما غير المكان وراح يرعى في ناحية أخرى.

حيمة التي كانت على علم بتصرفاتي، حذرتني من مغبة ما أفعل، قالت محذرة وكأنها توقعت ما الذي سيحدث:

- إني أحذرك، إذا واصلت اهتمامك بهذا الصبي، فسينتهي بك المطاف إلى الاستقرار في جسده.

 

لن أخفيكم أن حيمة كانت محقة في قولها، لعلها قرأت بوضوح ما يجول بين تلافيف دماغي. نعم لقد كانت تراودني رغبة لا تقاوم في اقتحام هذا الجسد الغض ولو لمرة واحدة، وبذلك أتمكن من العيش بين البشر وأصبح واحدة منهم. لا أدري لماذا كان عالم الإنس يمارس علي غواية لا تقاوم، ربما كان قدري هو ما يقودني على خطى المجهول.[i] وكما يقول أحد كتاب الأنس ليس للفرد سوى قدر واحد لا بد أن يعيشه.

قلت نافية التهمة عن نفسي:

- لا..لا أنت مخطئة كل ما أريده هو العناية بهذا الصبي ليس إلا.

ابتسمت حيمة مستهزئة وقالت:

- أتمنى أن أكون مخطئة لأن العكس سيسب بلك المشاكل.

أدركت ما الذي كانت ترمي إليه. تلميح حيمة لما ينتظرني من مشاكل وتحديات بين أهلي لم تغب عن ذهني. الغضب الذي سأثيره لدى عائلتي كان الكابح الوحيد الذي يمنعني من الانتقال إلى ما كنت بصدد التفكير فيه.

 

*[i] ماريو بيزو –العراب

كاتب الرواية عزيز أمعي

كاتب الرواية عزيز أمعي