رواية وريخا: 2

ma-press-09

وريخا 2

 

حدث ذلك حين كنت في السابعة عشرة من عمري، والعمر بالنسبة لنا كما قد لا تعلمون يعد بمئات السنين، إذ ربما عاش الجني أو الجنية عندنا ما يربو على الخمسة قرون. كانت لدي صديقة حميمة تلازمني طوال الوقت بحيث لا نفترق إلا للضرورة. هذه الصديقة كان اسمها حيمة، جميلة وذكية. أكثر ما كان يعجبني فيها مرحها وخفة روحها. كنا ندرس الطب معا تحت إشراف العديد من الأساتذة من بينهم والدي الذي كان أكبر أطباء قصر الملك شمهروش.

كنت كثيرا ما أخرج أنا وحيمة للتجوال خارج مملكة الجن. نهيم على وجوهنا في مناطق متعددة من أنحاء العالم المأهولة والغير المأهولة بالبشر. كان يحلو لنا أن نراقب الإنس عن كثب وهم يمارسون أعمالهم اليومية. نجالسهم في منتدياتهم العامة والخاصة، نستمع إلى أحاديثهم التي تسلينا كثيرا. نضحك لها إلى أن تدمع عيوننا بسبب ما في الكثير منها من نفاق وكذب لا نظير لهما عندنا. وكنا نحقق ذروة المتعة، ونتسلى بطريقة لا توصف. حين كانت تنظم انتخابات ما في دولة من الدول العربية بالخصوص الفساد لم يكن سمة الدول العربية فحسب، بل حتى بعض الدول التي تعتبر نفسها عريقة في الديمقراطية، كانت تعرف أحيانا تدخل المال من دول وشخصيات لتغليب كفة مرشح على مرشح آخر.

كانت حيمة تأتيني حين تدق طبول الانتخابات في دولة من هذه الدول، تقول وهي تضحك باستمتاع:

لقد انطلقت الانتخابات في دولة كذا.

غالبا ما أكون على علم بذلك، أما إذا كنت أجهل الأمر أسألها:

هل الأمر يتعلق بدولة من دول 99.99 في المائة أم دول الأقل من الخمسين في المائة؟

 

إذا أشارت إلى الأولى أعرف أنها تقصد بلدا عربيا. هنا تتوفز أعصابي، تغمرني الحماسة، وأشعر بنشوة لا تصدق. لأن مثل هذه الانتخابات المفبركة هي التي كانت تمنحنا المتعة القصوى خلال متابعتها. أما إذا قصدت دولة من دول الأقل من الخمسين في المائة. فأدرك أن الأمر يتعلق بدولة أوربية أو أمريكية. عندها تفتر همتي وأصرف النظر عن الموضوع، مقترحة على صديقتي الاستمتاع بأنشطة أخرى، كمخالطة الناس البسطاء. لأن في أقوالهم وسلوكهم الماكر، ومآسيهم التي لا تنتهي. ما يغنينا عن متابعة انتخابات لها قدر كبير من الشفافية والمصداقية. لكن حيمة كانت مع ذلك تصر أن أرافقها قائلة:

 

لا عليك .. أضمن لك الاستمتاع، فحتى بعض هؤلاء الديمقراطيين لهم نصيبهم من النفاق والكذب وتوظيف الأموال القدرة من أجل الحصول على الكرسي الرئاسي.

إضافة إلى متابعة الانتخابات بشتى أنواعها، وما نقف عليه خلالها من أسرار يندى لها الجبين. كانت لدينا أسرار جسيمة يمكن أن نصنفها ضمن الأسرار التاريخية للدول، وهي أسرار يجهل أغلب الإنس حقيقتها. بحيث إن هؤلاء يملكون تأويلا خاطئا لما وقع بالضبط، مقتنعين كل الاقتناع أن ما لديهم من حقائق لا يمكن أن تقبل الجدل.

أذكر على سبيل المثال لا الحصر، العديد من الانتحارات والاغتيالات التاريخية التي عجز الإنس حتى الآن عن حل لغزها. من بين هذه الجرائم: حقيقة موت هتلر، وكيفية اغتيال أبراهام لنكولن، تروتسكي، كينيدي، شي غفارا، موسى الصدر، بن بركة، ديانا وغيرهم كثير.

كل ما جرى نعلمه نحن علم اليقين لأننا كنا حاضرين نراقب كل ما يقع. ولو أن الإنس يعرفون ما نعرف من أسرار لأغمي على كثير منهم من هول الصدمة. لأن تلك الحقائق هي بحق حقائق صادمة.

قد يقول قائل منكم بما أنكم تعرفون كل هذه الأشياء لماذا لا تتدخلون لتوضيح الأمور، أو على الأقل إنقاذ الكثير من الأبرياء ذهبت أرواحهم هباء. أجيب أن الناموس الإلهي ومنذ الأزل، منعنا من ذلك. وحتى لو حاولنا فإننا سنعرض أنفسنا للأذى دون أن نستطيع للبشر حولا ولا قوة.

بعد هذه التوطئة التي أرجو ألا أكون قد أطلت فيها أكثر مما يجب، والمتعلقة بحقيقة وجودنا. أعود لأروي ما يتعلق بقصتي وكيف حللت بينكم متخذة من جسد انسي محل إقامة دائمة لي، مما مكنني من أن أصبح واحدة منكم.

كاتب الرواية الأستاذ عزيز أمعي

كاتب الرواية الأستاذ عزيز أمعي